إن تاريخ الدول والشعوب الأخرى مليء بأحداث مخزية وصور سوداء، لكنهم يظهرون من تاريخهم الوجه الجميل ويضربون صفحًا عن الصور السوداء والمخزية وما أكثرها في تاريخهم. أما أن نخترع أحداثًا سوداء وصورًا مخزية اختراعًا، وليس لها وجود إلا في أذهان من فسر بعض الحوادث على هواه وزور واختلق ليسيء إلى تاريخ أمته المجيد، فهذا أمر غريب لا نجد له مثيلًا لدى الأمم التي تغار على تاريخها وسمعة ماضيها وأبطالها وعظمائها. قبل أن نترك قضية مالك بن نويرة وحادثة قتله على تمرده وردته ونزداد اطمئنانًا إلى سلامة عمل خالد بن الوليد لا بأس من أن نطلع على حوارين حدثا بين خالد ومالك، وبين عمر بن الخطاب وأخ لمالك. أما الحوار الأول. فقد كان قبيل ضرب عنق مالك حيث قال خالد معاتبًا ومؤنبًا مالكًا على متابعته للمتنبئة سجاح عند مرورها بمنطقته، ثم أنبَّه على رفضه تأدية الزكاة قائلًا: ألم تعلم أن الزكاة قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك. عندئذ غضب خالد وقال: هو صاحبنا وليس بصاحبك؟ وصاح بضرار بن الأزور قائلًا: اضرب عنقه، ففعل.
والحوار الثاني: كان بين عمر بن الخطاب ومتمم بن نويرة ـ أخي مالك ـ فقد قال عمر لمتمم: لوددت أني رثيت أخي زيدًا بمثل ما رثيتَ به مالكًا أخاك ـ وكان زيد بن الخطاب قد استشهد في حروب الردة ـ فقال متمم: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار حيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد بمثل تعزية متمم. وهذه شهادة أخ مالك بأنه مات على ردة وتمرد لا على إسلام وطاعة.