يقول خطاب: قاتل حتى أظلم الليل، ثم غيَّر نظام جيشه، فجعل مقدَّمته ساقة وساقته مقدمة، وكذلك فعل بالميمنة والميسرة؛ ولحماية الانسحاب من ساحة المعركة نشر الساقة ليحتلَّ فرسانها مساحة شاسعة من الأرض، وأمرهم أن يحدثوا أصواتًا مرتفعة بما لديهم من أدوات حربية، وجعل الخيل تدور بسرعة في دوائر ضيِّقة لإثارة الغبار. وهذا ما جعل الروم لا يشعرون بانسحاب قوات القسم الأكبر من المسلمين ليلًا من جهة، ويعتقدون أن إمدادات قوية جاءتهم من جهة أخرى. لذلك لم يطاردوا المسلمين. وقاتلت الساقة- وعلى رأسها خالد- قتالًا بطوليًا لتتخلَّص من الاشتباك مع العدو. وعاد بالمسلمين إلى المدينة بعد أن تركوا ثلاثة عشر شهيدًا في ساحة المعركة، وهي خسائر طفيفة جدًا بالنسبة للخطر الداهم الذي أحدث بهم مما يُعدُّ خارقة عسكرية ومفخرة لقيادة خالد. ومن ذلك اليوم أطلق عليه الرسول، (، لقب سيف الله(10) .
أما غلوب فقال عن ذلك: إن خالد بن الوليد، الذي كان مع الجيش كان أكثر خبرة في القيادة من زيد وجعفر، وإنه لما تولَّى القيادة ساعة الانهزام نجح في كسب ثقة بقية المحاربين. وبانسحاب منظَّم تمكَّنوا من ترك ميدان القتال (11) .
في غزوة مكة:
إذا كان خالد قد ترك مكة لئلا يشهد قدوم الرسول، (، إليها في عمرة القضاء، أواخر السنة السابعة للهجرة، فإنه دخلها منشرح الصدر بإسلامه مع النبي المصطفى الذي جعله على ميمنة قوات المسلمين في غزوة فتحها في شهر رمضان من السنة الثامنة. وتنفيذًا لأمر المصطفى لم يقاتل خالد إلا من قاتله من قريش، فقتل منهم ثمانية وعشرين رجلًا، ثم انهزموا. وبعد خمسة أيام من فتح النبي، (، لمكة أرسل خالدًا في ثلاثين فارسًا لهدم صنم العُزَّى، فهدمها. ويعلِّق الخطاب على تلك الحوادث بقوله:"إن تولي خالد واجب القائد(12) في غزوة الفتح دليل على ثقة الرسول، (، بكفاية قيادته، وتوليته مهمَّة هدم العُزّى دليل على ثقته برسوخ عقيدته"(13) .