فهرس الكتاب

الصفحة 18879 من 23694

وإنَّ التأثير العربي والإسلامي في هذه النهضة كان بارزًا، وإن حاول كثير من الدارسين في الغرب أن يحجبه بالعودة إلى الإغريق وفضلهم على الفلسفة والعلوم في نهضة المسلمين، وانتقال هذا الفضل الإغريقي إلى أوربا على أيدي العرب. فالعرب في زعم هؤلاء لهم فضل الترجمة والنقل، أما الابتكار والتوليد والاختراع فللإغريق، أو لورثتهم الأوربيين.

أطروحة السيدة مونيكال لا تُعنى بهذه المسألة الخلافية، بل تعتبر أن النهضة الأوربية بدأت في الأندلس بلغة عربية وعلى يد الأندلسيين العرب، قبل قرنين من حركة الاسترداد الإسباني والغزو النورماندي لصقلية.

لكن أوربا النهضة كانت تحجب الدور العربي الإسلامي الذي وسمته المؤلفة بالمنسي، وذلك بإسدال الستار اليوناني الإغريقي عليه وتجاهل ثمانمائة سنة من الوجود العربي في إسبانيا وجنوب إيطاليا. وهذا الدور لا تطرحه السيدة مونيكال كدور وسيط، ناقل، أو مترجم، أو شارح، بقدر ما تطرحه دورًا أصيلًا لعرب ومسلمين أوربيين، لم ينقلوا النهضة من الإغريق إلى أوربا فحسب، بل شرعوا كعرب أوربيين بعملية النهوض في أوربا بعلومهم وفلسفاتهم وفنونهم وصناعاتهم وعمارتهم التي تبناها الغرب الأوربي فيما بعد.

وبهذه الأطروحة تريد السيدة مونيكال أن تنقل مسألة تأثير الدور العربي على النهضة الأوربية من مسألة خلافية بين حضارتين عربية مسلمة وأوربية مسيحية، إلى إعادة كتابة تاريخ الحضارة الغربية والعودة بينابيعها وجذورها إلى فترة تاريخية مبكرة من حياة الأندلس وجنوب إيطاليا، حين كان بعض الأوربيين يتكلمون بالعربية ويفكرون بها ويغنون بألحانها وأنغامها. فبنية النهضة لم تنتقل من قوم إلى قوم ومن لغة إلى لغة، وإنما قامت على أيدي الأوربيين الذين صادف أن كانت أصول بعضهم تعود إلى الأصل العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت