وأطروحة السيدة مونيكال لا تتسم بالجرأة فحسب، بل أيضًا تتصف بالطرافة والجدة. وقد يكون من غير العلمي وغير الموضوعي أن يتجاهل الأوربيون إسهام العرب في نشوء النهضة الأوربية، لكننا لا يمكن أن نتجاهل أن الحضارات كالأقوام تهاجر من وطن إلى وطن آخر، وأن ما قام في الأندلس وجنوبي إيطاليا في صقلية كان حضارة عربية إسلامية لا باعتبار اللغة فحسب، بل بالاعتبارات الحضارية ومعطياتها الواضحة من لغة وعقيدة وحركات فكرية وعلمية. صحيح أنه ساهمت فيها أجناس متعددة تنتمي إلى ولاءات دينية عديدة، لكنها أي النهضة أنجزت في ظل التوحيد واللغة العربية وتفاعل الوحي كسلطة عليا في الحضارة الإسلامية، تتعهد المعرفة والعلم وترعاهما. فالإنسان والعقل اللذان متح الفكر الإغريقي من بئرهما لم ينفصلا عن التعدد الوثني الماورائي، وكذلك الفكر والوحي في الحضارة الإسلامية كانا في حوار دائم في عصورنا الذهبية، وهي السمة المميزة للفلسفة العربية الإسلامية عن سالفتها الإغريقية.
ويحضرني هنا ما ذهب إليه السير هاملتون جب المستشرق المشهور، من أن النهضة الأوربية أو ما يسمى بالرينسانس، سبقتها كما مهدت لها نهضة عربية إسلامية من القرن التاسع إلى القرن الثاني عشر للميلاد في المشرق، والنهضة في الأندلس على تميزها ما هي إلا فرع من النهضة المشرقية، والاتصال بينهما بنيوي وعضوي (كالحال بين أوربا وأمريكا) .
إذن هناك رينساس أوربي غربي ورينساس إسلامي عربي، والتفاعل والحوار بينهما كان على أشده في صقلية وإسبانيا. ولولا الإسهامات العربية في معظم شؤون العلم والمعرفة والفلسفة والثقافة والأدب والعمارة والفن وإنجازاتها، لتأخر الرينساس الأوربي على رأي الغربيين أنفسهم بما لا يقل عن قرنين.