كان المبشر الذي صحب الفارياق وزوجته قد كتب رسالة إلى أحد معارفه بالإسكندرية يطلب منه فيها أن يهيئ لفارس وزوجته منزلًا ليقيما فيه، ريثما تأتي السفينة التي سوف تقلّهما إلى جزيرة مالطة. وكانت زوجة الشدياق شأنها شأن البنات في مصر وبلاد الشام، في ذلك الوقت، لم تعاشر أحدًا سوى الخدم وأهل البيت. وكانت أمها لم تطلعها على شيء من أمور الدنيا، كما يقول زوجها، مخافة أن تنجلي الغشاوة عن عينيها قبل الأوان. ولا يخفى أن البنات إذا كنّ يجهلن القراءة والكتابة، وحسن المحاضرة، وآداب المجالس والموائد، فلا بدّ أن يتجّهن إلى معرفة المكائد والحيل عن طريق الخدم. وربما أفضى بهن هذا الجهل إلى التهافت على الشباب والانقياد لهم دون النظر إلى العواقب.
أما إذا تعلمت الفتاة مزاولة أحد الفنون، وانصرفت للمطالعة والكتابة في أحد العلوم المفيدة فإنها تصبح صنو الشاب المثقف، بحيث تستطيع منعه من التطاول عليها بعلمه ومعرفته، كما تمنعه من تجاوز حدود الأدب، إذا سعى إلى تجاوزها.
لقد أوغل الشدياق بالكلام على الحياة الزوجية وأسرارها الخفية، كما وصف محاسن جسم المرأة ومساوئه، متبعًا الطريقة التي عُرف بها، وهي مزج الجد بالهزل، والحقيقة بالخيال، وخصص لذلك كثيرًا من صفحات كتابه"الساق على الساق فيما هو الفارياق". ونظرًا لاهتمامه الدائم بمعاني الألفاظ العربية فقد أنهى حديثه عن المرأة بذكر ما ينيف على أربعين لفظة تدل كل واحدة منها على إحدى الصفات الحسنة أو القبيحة، مما تتصف به المرأة عادة.