فالمأثور الشعبي لا يحفز الذاكرة فحسب، بل يحفز الأحلام والأخيلة، والشعر والرسم والموسيقى. وقد تتحول الذاكرة والفنون الجميلة إلى أداة استحواذ على الرغبة في الغزو والهيمنة، من ذلك مثلًا:"الاستحواذ الذي استبد به المكان على الصليبيين الأوربيين، على الرغم من المسافة الشاسعة التي فصلتهم عن القدس. حيث انتشرت مشاهد صلب المسيح عليه السلام وميلاده، في لوحات فناني النهضة الأوربية وكأنها تجري في فلسطين، ممسوخة نظرًا لأنهم لم يشاهدوا المكان في حياته. واتخذ المكان تدريجيًا، شكل مشهدية مثالية غذت المخيلة الأوربية لعدة مئات من السنين" (10)
إن التفاعل بين المأثور الشعبي والذاكرة الجماعية من شأنه أن يتسبب في إحداث عمليتين متلازمتين، بحيث إنه كلما كان ثمة استعادة ذكريات يصحبها اختلاق، يساعد على خصوبة الثقافة وحيويتها وصيرورتها. ولعل هذا ما يجعلنا اليوم ندرك كنه استمرار الصراع وصعوبة حله بين الذاكرة التاريخية الصرف- إن وجدت- والذاكرة المختلقة الحديثة. وهل يمكن اعتبار هذا التفاعل والحيوية في صيرورة المأثور الشعبي وما يشكله اختلاق الإرث، اعتداء على التاريخ وبالتالي اعتداء على الذاكرة الشعبية؟ وكما قلنا آنفًا"ليست الذاكرة الجمعية شيئًا خامدًا سلبيًا، بل مجال فعالية يتم في إطاره انتقاء أحداث الماضي وإعادة بنائها وصونها وتحويرها ومهرها بالدلالات السياسية". (11)