وينشأ في نفس المرء سؤالٌ مهم، وهو: هل ترجم سهل بن هارون القصة عن الفارسية؟ أو ألّف قصته على غِرارها، وسمّاها بالاسم ذاته؟ أغلب الظن أنّها من تأليفه هو؛ وذلك أنَّ أحداث القصة الفارسية بتفاصيلها الدقيقة أسطورية ومتشابكة، يختلط فيها الجن بالإنس، ولا أظنها تلائم الجو الثقافي في ذلك العصر، لكي يقوم سهلٌ بنقلها، إلاَّ إذا مدَّ إليها يدَ التحوير والتعديل. أو بعبارة أخرى: استقى منها الحدث الرئيس؛ وأعني به قصة الحب التي تجمع بين وامق والعذراء، وبنى عليها قصته، على غرار ما فعل ابن المقفع حين ترجم كليلة ودمنة )) ؛ فقد أضفى عليها مسحة إسلامية واضحة. وإذا جاوزنا الظن إلى الافتراض، وقلنا: إنّ سهلًا ترجم الكتاب من الفارسية، فإنّ هذا الكتاب ـ بلا أدنى ريب ـ يغدو شعوبيًا على العرب، من وجهة نظر العروبيين ـ إن صحّت التسميةـ؛ إذ يرون فيه تمجيدًا للفرس وحضارتهم الزاهية، وعلى أيّة حال، فإن اختيار سهل لهذا الاسم لم يكن مصادفة.
قصة النمر والثعلب:
ـ ملخص القصّة:
ذُكر أنّ ثعلبًا يُقال له مرزوق، كان يعيش مع زوجته في وادٍ، لم يكن فيه أحدٌ غيرهما، في رغد عيش ورخاء بال. فمرّ به يومًا ثعلبٌ صديق له، فنصحه بالتحوّل عن هذا المكان، لأنه واقع في مجرى السيل. فاستشار مرزوق زوجته، فأبت عليه التحوّل. وحدث أن دهمه السيل، فتعلّق مرزوق ببعض ماجاء به السيل من الخشب، إلى أن قذف به في البحر، ثم ألقاه إلى جزيرة من جزائره. وحار الثعلب في أمره، فلم يسمع حسيسًا ولم يرَ أنيسًا، فبات ليلته طاويًا. ولما أصبح مرّ به ذئب، فتعارفا وعلم منه أن الجزيرة خاضعة لملك هو النمر، وليس فيه إلا الظباء وبقر الوحش، وجماعة من الذئاب. ثم نصحه الثعلب أن يأتي النمر، ويسأله أن يوليه ولاية، ويبعث إليه شطر ما يكسبه منها، وبعد جدال اقتنع الذئب بصواب رأيه.