ولكن رونو دو شاتييون لم يرتدع وعزم على الإتيان بما لم يأت به أحد قبله قط وعلى ارتكاب ما لا يستطيع مسلم أن يقبل به قط. فكيف بصلاح الدين؟. فلقد بدأ ببناء خمس سفن حربيّة مفكّكة في الكرك وفي عسقلان. ثم نقل أقسام هذه المراكب على ظهور الجبال حتى شاطئ البحر الأحمر فأعيد بناؤها وجعلت في الماء. وأبحرت ثلاثةٌ منها وعلى متنها مئاتُ الرجال المسلحين. وصعد رونو على ظهر المركبيْن الباقيْين وسد منافذ البحر الأحمر. وأعلن على الملأ نيته في السيطرة على طرق الحج جميعها ووضع يده على الحرميْن الشريفيْن ونقل جثمان الرسول العربي من قبره في المدينة المنورة إلى قلاع البلقاء. وبينما كان البرنس أرناط يحاصر أيلات شتاء 1182 ـ 1183) أخذت بقيةُ سفنه تنشر الرعبَ والأهوالَ في البحر الأحمر فتنهب موانئه وتحرق السفن المبحرة فيه. ويذكر ابن جبير أنهم قد أحرقوا ستة عشر مركبًا. وحاول بعض قادته النزول في جدّه لمهاجمة المدينة ومكة على حين غرّة. ثم نهبوا الربيغ والحوراء على ساحل البحر الأحمر الشرقي بعد أن أنزلوا قواتهم على أرض الحجاز فقتلوا الناس واغتصبوا النساء. وأبحرت بعض المراكب الصليبية حذاء شواطئ بلاد النوبة ونهب جنودها ميناء عيذاب. ونهبوا كذلك في البر المصري قافلةً كبيرة للتجار كانت قادمةً من قوص إلى عيذاب. وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحدًا. ونهبوا قافلة أخرى في قصير على شاطئ البحر الأحمر الغربي مقابل قوص. واختطفوا سفنًا عديدة للمسلمين كانت تنقل حجّاجًا إلى بيت الله الحرام.
ويصف ابن جبير ذلك فيقول:"وأحدثوا حوادث شنيعةً لم يُسمع مثلها في الإسلام. ولا انتهى رومي إلى ذلك الموضع قط!". الرحلة ص 34).