كان صلاح الدين قد عقد صلحًا مع ملك القدس بودوان الرابع سنة 180 كما أسلفنا في القول. وكان الطرفان يلتزمان بما جاء فيه. ولم يكن ذلك شأن سيّد الكرك ومولى الملك بودوان. ورغم عهود السلام التي أقسم بودوان أمام مبعوثي السلطان الأيوبي على الوفاء بها مع بقية رجاله والأمراء الصليبيين الخاضعين لسلطته نظّم رونو شاتييون حملة عسكرية قادها في قلب الجزيرة العربية سنة 1181 ونهب تبوك وتيماء في الحجاز وهاجم طريق المدينة المنورة. فردتّه عنها قواتُ صلاح الدين. فانتقم من قافلة للحجاج كانت قد غادرت دمشق إلى مكة فنهبها وغنم فيها غنائم كثيرة واقتاد الحجاج أسرى وألقى بهم في سجون قلاعه. واحتج صلاح الدين وعاتب ملك القدس على خيانته للمواثيق وطالبه بإطلاق سراح الحجاج الأسرى وبإعادة الأموال المنتهبة لأصحابها.
وحين وجه بودوان الرابع أوامرَه بذلك لتابعه البرنس سخر هذا منه. وأعلن أنه لن يعيد أبدًا طواعيةً ما أخذه بقوة السيف. ولم يكن بوسع الملك إلاَّ أن يقرَّ لصلاح الدين بعجزه عن إرغام صاحب الكرك على الامتثال لأوامره وعلى احترام العهود المعقودة بين المسلمين والصليبيين. وكان من نتيجة هذا أن ضعُفت الحركةُ التجارية العامة فقلت الأرزاقُ وارتفعت الأسعارُ ارتفاعًا فاحشًا وتحوّلت قوافل التجار عن هذه المناطق بعد أن انعدم الأمن فيها. وتحولت كذلك قوافل الحج إلى طرق أخرى أطول وأكثر مشقة. ومنها القافلة التي كان فيها ابن جبير وأصحابه.
وعبّأ صلاح الدين قواته وقرر معاقبة الصليبيين على خيانتهم. فهاجم كثيرًا من حصونهم وقلاعهم في فلسطين. وحاصر بيروت سنة 1182. وكانت في يد الإفرنجة. ولكنه جدّد العهود التي كانت بينه وبين الصليبيين حين طلب هؤلاء ذلك منه ووعدوا باحترامها.