وهكذا كان هذا العالم الفاضل متبحرًا في العلم والثقافة حينما وصل إلى القدس في حدود سنة 484هـ/ 1091م، أو 485هـ/ 1092م، أي في أثناء حكم الأراتقة للقدس، لاسيما إيلغازي وسقمان، ابني أرتق. وقد بقي الطرطوشي في هذه المدينة المقدسة لعدة سنوات أخرى. ومن المحتمل أنه غادرها بعد استيلاء الفاطميين عليها، قبيل وقوعها تحت الاحتلال الصليبي، لأنه نجا من المذبحة التي أعقبت احتلالها. وقد استقر الطرطوشي بمدينة الإسكندرية، وتوفي فيها سنة 520هـ/ 1126م (8) .
لقد كان للطرطوشي دور بارز في الحياة العلمية في مدينة القدس، وكان له تلاميذ يتلقون العلم عنه، ويجتمعون حوله في أماكن متعددة في المدينة، منها موضع يُقال له الغوير)، يقع بين باب الأسباط ومحراب زكريا في ساحة الحرم القدسي الشريف، حيث كان العلماء يتناظرون فيه. كما كان يجلس للعلم أيضًا في موضع آخر يقال له السكينة). وقد زودنا الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله المغربي المعافري الإشبيلي المعروف بابن العربي في رحلته (9) ، بمعلومات قيمة جدًا عن الدور الثقافي للشيخ الطرطوشي. وابن العربي، هو الشخصية العلمية الثانية التي تثير الاهتمام في هذا المجال، لأنه زار القدس قبيل الاحتلال الصليبي. ابتدأ ابن العربي رحلته المشرقية من الأندلس مع أبيه في مستهل شهر ربيع الأول سنة 485هـ/1092م. وشملت رحلته شمال إفريقية، ومصر، والحجاز، والعراق، وبلاد الشام، فضلًا عن القدس موضوع بحثنا. ثم عاد إلى الأندلس سنة 493هـ/ 1099م بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق، وتوفي سنة 543هـ/ 1148 (10) .