وهكذا نرى أنه على الرغم من الجو السياسي الملبد بالغيوم، والذي تميز بعدم الاستقرار، كانت مدينة القدس، مقصدًا للعلماء، يزورونها، ويتلقون العلم فيها. وما تأكيد المؤرخ ابن الأثير، فيما أشرنا إليه آنفًا، عن استشهاد الكثير من العلماء الوافدين إلى القدس حين احتلالها، إلا دليل على هذا الزخم الهائل من المسلمين الذين تركوا الأهل والأوطان ليقيموا فيها. وربما لا نجانب الصواب إذا قلنا أن عددًا كبيرًا من هؤلاء كان من المغاربة، والأندلسيين، الذين جاؤوا من الغرب الإسلامي، نظرًا للنصوص الكثيرة التي تشير إلى وجودهم في القدس. وسنكتفي بالإشارة إلى اثنين من كبار هؤلاء العلماء الأول: هو الإمام أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد القرشي الفهري الأندلسي المالكي المعروف بالطرطوشي، نسبة إلى مدينة طرطوشة بالأندلس.
ولد هذا العالم سنة 451هـ/ 1059م تقريبًا، وتتلمذ على كبار رجال العلم في الأندلس، أمثال أبي الوليد الباجي، الذي قرأ عليه وسمع منه مسائل الخلاف في مدينة سرقسطة، وأبي محمد بن حزم، الذي درس عليه الأدب في مدينة إشبيلية. كما قرأ الحساب والفرائض في موطنه مدينة طرطوشة. وقد ابتدأ الطرطوشي رحلته إلى المشرق سنة 476هـ/ 1083م، ودخل بغداد والبصرة، وتفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي، وعلى أبي أحمد الجرجاني، وسكن الشام مدة، ودرس بها. وله من المؤلفات كتاب"سراج الملوك"، وكتاب"بر الوالدين"، وكتاب"الفتن"، وغير ذلك (7) .