والذي يثير الاهتمام هو لقاء هذين العالمين من الغرب الإسلامي في القدس. وقد وصف لنا ابن العربي هذا اللقاء، ولهفته في البحث عن الشيخ الطرطوشي، والأخذ من علمه، بقوله:"مشيت إلى شيخنا أبي بكر الفهري رحمة الله عليه، وكان ملتزمًا من المسجد الأقصى بموضع يقال له الغوير، فلم نلقه بها، واقتصصنا أثره إلى موضع يقال له السكينة، فألفيناه بها، فشاهدت هديه، وسمعت كلامه" (11) .
ويبدو أن مجلس الطرطوشي كان حافلًا غزير العلم والفائدة، الأمر الذي استهوى ابن العربي كثيرًا، وشجعه على البقاء في القدس لمدة أطول مما كان قرره لإقامته فيها. وقد انفتح له على يدي الطرطوشي أعظم أمل في المعرفة والثقافة، فالتزم هذا الشيخ ومجالسه، لاسيما بقبة باب السلسلة. ولنقرأ كلام ابن العربي المعبر بهذا الخصوص عن أهمية مجلس الطرطوشي العلمي وتأثيره عليه، وعلى سواه من المترددين على مجالس العالم والمعرفة في القدس:"وانفتح لي على يديه أعظم أمل، فاتخذت ببيت المقدس مباءة والتزمت فيه القراءة، لا أقبل على دنيا، ولا أُكلم أنسيًا، نواصل الليل بالنهار، خصوصًا بقبة باب السلسلة" (12) .
وهكذا نرى أن ابن العربي كان جادًا كل الجد، صادقًا في طلبه للعلم، الذي كان هدفه الأول في رحلته المشرقية التي ابتدأها مع والده من الأندلس سنة 489هـ/ 1095م (13) . وعلى الرغم من كل ما يقال عن أسباب هذه الرحلة، ودوافعها التي يرجعها البعض إلى عوامل سياسية لها علاقة بالأوضاع في الأندلس بعد استيلاء المرابطين عليها، أو أنها سفارة سياسية قام بها ابن العربي الوالد وابنه بتوجيه من من يوسف بن تاشفين لزيارة الخليفة في بغداد (14) . فإن آثار هذه الرحلة العلمية ونتائجها الثقافية بالنسبة لابن العربي لا يمكن نكرانها.