وكل هذه التوجيهات النبوية، جعلت الألفاظ السابقة ذات دلالة شرعية، كان لظهور الإسلام فيها أكبر الأثر في التصوّر العقلي، والارتقاء الأسلوبي، والكيان الوجداني، مما جعلها تأخذ مدلولًا جديدًا في ظل تعاليم الدين الحنيف، وفي ذلك يقول الجاحظ:"... وقد ترك العبد أن يقول لسيده: ربي...، وكذلك حاشية السيد والملِك تركوا أن يقولوا: ربنا" (89) . أي: أن الإسلام قد غير كثيرًا من القيم الفكرية والاجتماعية في المجتمع الجاهلي، إذ عدل عن بعض الألفاظ، واستبدلها بألفاظ ذات دلالات جديدة، لم تكن شائعة الاستعمال من قبل، وفي ذلك يقول أبو حاتم الرازي:"الرب: المالك والسيد، والرب في كلام العرب هو المالك...، ولا يقال للمخلوق هو: الرب معرَّفًا بالألف واللام كما يقال لله عز وجل، بل يعرف بالإضافة..." (90) . والأفضل والأحوط: ترك استخدام لفظ ربي) في مقام التعظيم، أو الإخبار عن مالك المملوك؛ لأن المملوك ومن في حكمه هم من الآدميين الذين أخذ الميثاق منهم في قوله تعالى: ألست بربكم (91) ، وغير الآدميين ليسوا كذلك (92) . كما أن دلالة هذه اللفظة ربي) كانت من بقايا الاستعمالات الجاهلية (93) ، التي دعا الإسلام إلى توظيفها في جانب الدلالة الشرعية الحاملة على معنى العبودية والتذلل للخالق في غالب دلالتها؛ لأن وجود القرينة اللفظية عن طريق المضاف إليه، وتعدد حالات الإخبار، له دور كبير في تحديد دلالة اللفظة، ومسوغاتها الشرعية.