إن القيمة الدلالية لذلك تعود إلى ما أجمع عليه أهل اللغة، وأهل غريب الحديث، وغيرهم: من أن لقِست وخبُثت تعودان في اصل وضعهما إلى معنى واحد، وإنما كره- - التعبير بلفظ الخُبث)؛ لبشاعة الاسم، والحرص على تعليم الأدب في الألفاظ، واستعمال حسَن الألفاظ، وهجر قبيحها، وإبدال اللفظ المكروه بأحسن منه. وإنما أخبر الرسول- عليه الصلاة والسلام- عن الذي ينام عن الصلاة بأنه خبيث النفس كسلان؛ لأن ذلك الخبر عن غيره، وعن شخص مبهم مذموم الحال لا يمتنع إطلاق هذا اللفظ عليه. كما أن في توجيهه- عليه الصلاة والسلام- دعوةً إلى قبول المرء للخير بألفاظ الحُسن، وإضافة الخير إلى نفسه- ولو بنسبة محدودة- ودفع الشر عن نفسه مهما أمكن، وقطع الصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة (43) ، خاصة في لفظ قد كُره في الإسلام، وهو خبثت نفسي) (44) ، والذي هو مرتبط في دلالته اللغوية بالفعل لقِسَت)، من حيث دلالته على الخُبث والكسل والعيب والغثيان، إذ يقال: لقَسَه لقْسًا: عابه، وهو لقِس ولقَّاس. ولقِست نفسه إلى الشيء لقَسا: نازعته إليه وحرصت عليه. ولقِست نفسه من الشيء: غثت وفترت وكسلت (45) ، وخبُثت وضاقت (46) . واللقِس: الشرِه النفس الحريص على كل شيء، وقيل: الشحيح (47) .
والذي يُلحظ: أن هاتين اللفظتين خبُثت ولقِست) تُعدَّان في مدلولهما اللغوي من قبيل الترادف، إلا إن التوجيه النبوي الكريم ضيّق مجال استعمال لفظة خبثت) في حالة إضافتها إلى نفس المتكلم خبُثت نفسي)؛ وذلك لحرصه- عليه الصلاة والسلام- على البعد من إظهار قبح الدلالة في حالة نسبة الحدث إلى النفس. أما إذا كانت دلالة هذه اللفظة تحكي خبرًا عن غائب أو مبهم، فإنها لا تقل شأنًا عن التعبير بلفظة لقِست). يضاف إلى ذلك: أن لفظة خبُثت) ومشتقاتها، لها من الشيوع والذيوع ما ليس للقست)؛ إذ حفل كتاب الله العزيز بأمثلة كثيرة لمادة خبُث ومشتقاتها (48) .