وخلاصة القول: أن توجيه النبي- - للفظة الجنون)، وجعل لفظة مصاب) مكانها، أكسب لفظة الجنون) دلالة شرعية خاصة: المقيم على معصية الله)، إضافة إلى دلالتها اللغوية التي حفلت بها كتب اللغة والمعاجم - كما رأينا ذلك من قبل-، وإنما عَدل بها- عليه الصلاة والسلام- إلى التعبير بلفظة مصاب)؛ لما في ذلك من مراعاة حال المُخْبَر عنه، من حيث تعدُّد الوصف بلفظة مصاب)، فهناك المصاب في دينه، والمصاب في عِرْضه، والمصاب في جسده وبدنه، وهكذا. فنظرًا لتوسُّع دلالة هذه اللفظة، ونظرًا لحرص الشارع الحكيم على زرع المفاهيم الصحيحة، والتعابير الجميلة، جاء توجيهه- عليه الصلاة والسلام- لإيثار لفظة مصاب) على لفظة مجنون)، والتي غلب إطلاقها على المشركين المعارضين للرسُل (39) .
3-خبث الخُبْث): إن من الألفاظ المستهجنة، والأوصاف المستقبَحة: لفظة الخُبْث والخبيث)، والتي تعني: ما يُكره رداءة وخساسة، محسوسًا كان أو معقولًا. وأصله: الرديء الدُخْلة، الجاري مجرى خبَث الحديد. وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال (40) . وقال ابن الأعرابي:"أصل الخُبْث في كلام العرب: المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من المِلل فهو الكُفْر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار" (41) . وقد وجَّهنا رسولنا- عليه الصلاة والسلام- إلى ترك استخدام هذه اللفظة؛ نظرًا لما تحويه من دلالات لغوية غير مستساغة، وأرشدنا إلى استخدام لفظة أخرى، ألا وهي لفظة لقِسَت)، من ذلك ما روته عائشة- رضي الله عنها- عن النبي- كانت هاتان اللفظتان خُبُثت ولقِست) ذواتي دلالة لغوية واحدة في أصل وضعهما (42) ، فيا تُرى ما القيمة الدلالية لتوجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى الأمر باستخدام لقِست نفسي)، بدلًا عن النهي الوارد في الحديث خبُثت نفسي)؟