فهرس الكتاب

الصفحة 18559 من 23694

وخلاصة القول: أن لفظة الاستئثار) تعني- في أغلب دلالتها-: الاستبداد، والتفرد، وإيثار النفس على ما سواها. ومثل هذه الدلالات تُعد مذمومة في عُرف الناس؛ لأنها ليست من الصفات المحمودة، وبالتالي وجّه الشارع الحكيم إلى ترك استخدامها، وهجر التلفظ بها؛ لأن قول القائل: إن الله مستأثر بكذا- على الرغم من قوّته وعظمته سبحانه-، فيه دلالة جاهلية؛ لأن الله تعالى قد ساوى بين عباده، كل حسب طبقته، وحسب عمله، خاصة في الأمور المحتمة التي لا تقتضي المفاضلة، مثل: حقيقة الموت التي وُجّه إلى استخدام التعبير بها في الحديث السابق، على الرغم من تفاوت حالة الأموات عند موتهم وبعده، حسب منزلتهم الرفيعة عند الله، وحسب أعمالهم، فهناك طبقة أولي العزم من الرسل، وطبقة الأنبياء، وطبقة الشهداء، وهناك طبقة أقوياء الإيمان، وطبقة ضعافه، وطبقة الكفار والملحدين. ومع هذا كله فإنك لا تجد التعبير بلفظة الاستئثار) في حالة موت تلك الطبقات؛ لأن التعبير السائد في مفارقة الحياة، يكمن في شيوع لفظة الموت). وفي هذا نقل لدلالة الاستئثار) من معناها اللغوي الضيّق، إلى معنى أوسع وأشمل، هو التعبير بلفظة الموت)، والذي اكتسب دلالة توسعية من خلال توجيه الشارع الحكيم، ومن خلال عموم دلالته على مفارقة كل ذي روح لهذه الحياة، على حد قول المتنبي:

نحن بنو الموتى فما بالُنا

نعاف ما لا بدَّ من شُرْبه (18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت