إن الحديث عن اللغة طويل ولا يمكن لنا مهما اختصرنا الكلام أن نذكر إلا نزرًا قليلًا فقط، وتجنبًا لإطالة الموضوع فإننا نتخطّى القرون الوسطى، ومجهوداتنا في البحث اللغوي المتواضع، تعتبر امتدادًا لعهد النهضة الفكرية الأدبية والعلمية وعصر التنوير وما بعدها.
ومع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي شهد البحث اللغوي تطورًا ويقظة وتجديدًا لم يسبق له مثيل من قبل على يد ثلة من الباحثين الغربيين الإنجليز، والفرنسيين، والألمان، والإيطاليين، وغيرهم من بعض الأقطار الأوربية ثم يصل الأمر فيما بعد إلى قارة أمريكا.
كانت الدراسات اللغوية في الغرب قد عرفت طريق الانتعاش، والازدهار منذ أن توصل"فردريك أوجست ولف"إلى ابتداع النقد المقارن للنصوص القديمة المكتوبة في سنة 1777م) (11) وكان هذا المنهج في رأي الدارسين اللغويين عاملًا رئيسًا وأساسيًا أقيم على ضوئه تصنيف اللغات على أسر ومجموعات أساسية وفرعية.
ثم زادت البحوث اللغوية تطورًا وشهرة، وذلك بعدما تم الكشف عن اللغة السنسكريتيّة على يد العلامة الإنجليزي اللغوي وليام جونز 1786م) فكانت هذه اللغة محل ميدان دراسة للمنهج المقارن الذي أصبح يستقل بدراسة السنسكريتية، ودرس جونز هذه اللغة واللغة الأوربية وما يوجد بينهما من شبه في ظل المنهج المقارن، إلى أن توصل كما يزعم إلى أن السنسكريتية هي أم اللغات الهند أوربية، ولم تقف الدراسة عند هذا الحد، بل تطورت البحوث اللغوية ودرست اللغات وشجرة أنسابها، وقد درست اللغة العربية وأخواتها السامية العبرية، والفينيقية، والأكدية، والحبشية، وأثبت العلماء وجود شبه وتقارب بين هذه اللغات في كثير من الأمور الفرعية النحوية واللغوية والاشتقاقية والدلالية فقالوا إنها تنتمي إلى أسرة واحدة.