فهرس الكتاب

الصفحة 18504 من 23694

لقد عقد التّوحيديّ مقارنةً بارعةً رائعةً بين ضربين إبداعيين -ولعلّ التّقسيم من قبيل التّقسيم النّظريّ- الضّرب الأوّل هو الذي يتّخذ الإلهام مستندًا ومصدرا، والضّرب الثّاني هو الذي يستند إلى الرّويّة العقليّة، وقد بيّن من خلال هذه المقارنة محاسن كلٍّ منهما وعيوبه؛ مستقلًا حينًا، وحينًا مرتبطًا بالآخر،"على أنّ بلاغة الأسلوب، ومتانة الإبداع تتمثّل عند التّوحيدي دائمًا في التّوفيق بين الإلهام والرّويّة العقليّة" (31) .

يقارن التّوحيديّ بادئ الأمر في مقابساته بين البديهة؛ أساس الإلهام، والرّويّة العقليّة، فيرى أنّ"البديهة أبعد -من الرّويّة- من معاني الكون والفساد، وأغنى عن ضروب الاجتهاد والاستدلال، والرّويّة ألصق بكمال الجوهر وأشدّ تصفيةً للطّينة من الكدر" (32) .

"والبديهة قدرةٌ روحانيّةٌ في جبلّةٍ بشريّةٍ، كما أنّ الرّويّة صورةٌ بشريّةٌ في جبلّةٍ روحانيّة" (33) .

ثمّ يعقد في الإمتاع والمؤانسة )) مقارنةً بين الضّربين الإبداعيّين اللذين ينعكسان عن الإلهام والرّويّة العقلية فيقول:

"إنّ الكلام ينبعث في أوّل مبادئه إمّا عن عفو البديهة، وإمّا عن كدّ الرّويّة، وإمّا أن يكون مركّبًا منهما، وفيه قواهما بالأكثر والأقلّ؛ ففضيلة عفو البديهة أن يكون أصفى، وفضيلة كدّ الرّويّة أنّه يكون أشفى، وفضيلة المركّب منهما أنّه يكون أوفى. وعيب عفو البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقلّ، وعيب كدّ الرّويّة أن تكون صورة الحسّ فيه أقلّ، وعيب المركّب منهما بقدر قسطه منهما: الأغلب والأضعف، على أنّه إذا خلص هذا المركّب من شوائب التّكلف، وشوائب التّعسف، كان بليغًا مقبولًا رائعًا حلوًا. تحتضنه الصّدور، وتختلسه الآذان، وتنتهبه المجالس، ويتنافس فيه المنافس بعد المنافس" (34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت