"إنّ الطّبيعة إنّما احتاجت إلى الصّناعة في هذا المكان لأنّ الصّناعة هنا تستجلي من النّفس والعقل، وتملي على الطّبيعة، وقد صحّ أنّ الطّبيعة مرتبتها دون النّفس، تقبل آثارها وتتمثّل أمرها، وتكمل بكمالها وتعمل على استعمالها، وتكتب بإملائها وترسم بإلقائها، والموسيقى حاصلٌ للنّفس موجودٌ فيها على نوعٍ لطيفٍ وصنفٍ شريفٍ، فالموسيقار إذا صادف طبيعةً قابلةً ومادّةً مستجيبةً وقريحةً مواتيةً، وآلةً منقادةً أفرغ عليها بتأييد العقل والنّفس لبوسًا مؤنّقًا، وتأليفًا معجبًا، وأعطاها صورةً معشوقةً وحليةً مرموقةً، وقوّته في ذلك تكون بمواصلة النّفس النّاطقة، فمن هنا احتاجت الطّبيعة إلى الصّناعة، لأنّها وصلت إلى كمالها من ناحية النّفس النّاطقة بوساطة الصّناعة الحادثة الّتي من شأنها استجلاء ما ليس لها، وإملاء ما يحصل فيها، استكمالًا بما تأخذ وكمالًا لما تعطي" (29) .
ويعود التّوحيديّ ليؤكّد من خلال هذا النّصّ أيضًا آليّة الإبداع اللاآليّة؛ وأعني بذلك جملة الشروط والمعطيات الواجب تحقّقها بدءًا من الموهبة والإلهام كما يقول الفيلسوف، وصولًا إلى التهيّؤ والحالة النّفسية الّتي يعيشها المبدع، والظّروف المناسبة لهذا الإبداع"فالموسيقار إذا صادف طبيعةً قابلةً ومادّةً مستجيبةً، وقريحةً مواتيةً وآلةً منقادةً..." (30) .
ولكن، ما المعيار الّذي يتيح لنا الوقوف على المقدرة الإبداعيّة، ومدى التّماسك البنائيّ في الأثر الفنّيّ، ورصانته، وقدرته على النّفاذ إلى القلوب؟