إنّ هذه الموهبة، وهي قوّةٌ كامنةٌ في النّفس، هي أساسُ الإبداع الفنّيّ، ولا تحقّق للإبداع من دون الموهبة، ولابدّ لكلّ موهبةٍ من صقلٍ وتوعيةٍ وتنميةٍ، ويكون ذلك بإغناء التّجربة وزيادة المعرفة وتوجيهها، وقد ضرب التّوحيديّ لنا في لك مثلًا سماعهم غلامًا يغنّي جعل الأصحاب يترنّمون طربًا، فقال أحدهم:"لو كان لهذا من يخرّجه ويعنى به، ويأخذه بالطّرائق المؤلّفة (24) والألحان المختلفة، لكان يظهر أنّه آيةٌ، ويصير فتنةً، فإنّه عجيب الطّبع، بديع الفنّ" (25) . وهذا ما يمكن اشتقاق معناه أيضًا من قوله في الإمتاع والمؤانسة )):"الإنسان بين طبيعته وهي عليه، وبين نفسه وهي له، كالمنتهب المتوزّع، فإن استمدّ من العقل نوره وشعاعه قوي ماهو له من النّفس، وضعف ماهو عليه من الطّبيعة، وإلاّ فقد قوي ماهو عليه من الطّبيعة وضعف ماهو له من النّفس" (26) .
والحقيقة أنّ التّوحيديّ كان قد ذهب فيما سبق أن ذكرنا إلى أنّ"الطّبيعة فوق الصّناعة؛ الفنّ)، وأنّ الصّناعة دون الطّبيعة" (27) فكيف يقبل هنا أن يجعل الطّبيعة الموهبة) خاضعةً للصّناعة؟!
وبمعنى آخر: إنّ صقل الموهبة -وهي من الطّبيعة- إنّما يتمّ بالصّناعة. وهذا يعني احتياج أو خضوع الطّبيعة إلى الصّناعة، وهذا يتناقض مع ما ذهب إليه أبو حيّان في الإمتاع والمؤانسة )) (28) ، فكيف كان ذلك؟
الحقيقة أنه ليس من تناقضٍ البتّة في هذا الموضوع، ولعلّ في هذا أيضًا ما يؤكّد وحدة نظريّة التّوحيديّ في الفنّ، وتكاملها، وأنّ الآراء والمواقف التي يوردها إنّما تشكّل خلاصة رأيه وموقفه، وهي بالتّالي ليست مجرد آراءٍ عارضةٍ كان مفكّرنا منها بمثابة الجامع والمفنّد، ودليلنا على ذلك أنّه لمّا عرض لرأيٍ يتخالف مع رأيٍ سابقٍ له -كما يبدو من ظاهر القول- وقد علم أنّ كلا الرّأيين صائبٌ، بيّن سبب نشوز الخاصّ عن العامّ، فقال على لسان أبي سليمان: