فهرس الكتاب

الصفحة 18501 من 23694

لقد انتبه التّوحيديّ إلى أنّ الإبداع الفنّيّ محصورٌ بأصحاب المواهب الفنيّةً نوعًا ما، وليس هذا فحسب بل إنّ أصحاب المواهب الفنيّة أنفسهم على تباين في درجات الإبداع، وذلك تبعًا للمخزون المعرفيّ والتّجريبيّ لدى الفنّان، بل لقد أدرك تمام الإدراك أمرًا على غايةٍ من الأهميّة، وهو أنّ الإبداع الفنّيّ مختلفٌ عن أيّ عملٍ آخر من حيث إنّ الفنّان ليس بمقدوره أن يبدع في أيّ وقتٍ شاء وأريد منه ذلك، وإنّما هي سبحاتٌ من الإلهام تتنزّل على النّفس من غير سابق موعدٍ، ولذلك فإنّ كلّ إبداعٍ فنّيٍّ لا ينبثق من هذه السبحات، ولا يستنير بهديها، يتّعثر ويزلُّ. أو لم يقل الفرزدق"انا أشعر تميمٍ عند تميمٍ، وربّما أتت عليّ ساعةٍ ونزع ضرسٍ أسهل عليّ من قول بيتٍ" (20) ؟! يقول فيلسوفنا في ذلك:

"إنّ الكلام صلفٌ تيّاهٌ، لا يستجيب لكلّ إنسانٍ، ولا يصحب كلّ لسانٍ، وخطره كثيرٌ، ومتعاطيه مغرورٌ، وله أرنٌ (21) كأرن المهر، وإباءٌ كإباء الحرون، وزهوٌ كزهو الملك، وهو يستهّل مرّةً ويتعسّر مرارًا، ويذلّ طورًا ويعزّ أطوارًا؛ ومادّته من العقل، والعقل سريع الحؤول خفيُّ الخداع؛ وطريقه على الوهم، والوهم شديد السّيلان، ومجراه على اللّسان واللّسان كثير الطّغيان؛ وهو مركّبٌ من اللّفظ اللّغوي، والصّوغ الطّباعيّ، والتّأليف الصّناعيّ، والاستعمال الاصطلاحيّ، ومستملاه من الحجا، ودَرْيُه (22) بالتّمييز؛ ونسجه بالرّقّة... وبهذا البون يقع التّباين ويتّسع التّأويل" (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت