فهرس الكتاب

الصفحة 18500 من 23694

وفي معرض توضيحه لطبيعة الإلهام يقارن بين الإنسان والحيوان من باب ما لكلٍّ منهما منه فيرى أنّ الحيوان، بما هو جنسٌ، كلُّه ملهمٌ، غير أنّ إلهام الحيوان الأعجم إلهام غريزةٍ، فيما الإنسان يزيده بالعقل؛ الاختيار، ولذلك أمكنه الإبداع في الفنّ وغيره ممّا هو أشرف وأسمى، وفي لك يقول:"لمّا كان الحيوان كله يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرةٍ قائمةٍ، وكان الإنسان يتصرّف فيها بالاختيار، صحّ له من الإلهام نصيبٌ حتّى يكون رافدًا له في اختياره، وكذلك يكون النحل أيضًا، صحّ له من الاختيار قِسْطٌ في إلهامه حتى يكون ذلك معينًا له في اضطراه. إلا أنّ نصيب الإنسان من الإلهام أقلّ كما أنّ قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر، وثمرةُ اختيار الإنسان إذا كان معانًا بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى، وأرفع من ثمره غيره من الحيوان إذا كان مرفودًا بالاختيار، لأنّ قوّة الاختيار في الحيوان كالحلم، كما أنّ قوّة الإلهام في الإنسان كالظّلّ" (18) .

ومن ثم فقد"جعل التّوحيديّ من الفنّ أو الصّناعة ظاهرةً إنسانيّةً تتوقف على القوّة النّاطقة الّتي يتمتّع بها الموجود البشريّ، فلابدّ إذن من أن نفرّق بين عمليّة إبداع الفنّ وعمليّة تذوّقه، ما دام الحيوان لا يشترك معه في العمليّة الأولى. ومعنى هذا أن أبا حيّان لا يرى مانعًا من نسبة الانفعال الجماليّ إلى الحيوان بينما نراه يختصّ الإنسان، دون سواه من باقي الكائنات، بالقدرة على إبداع الجمال واستحداثه" (19) .

الموهبة والإبداع

ولكن، هل يعني هذا أنّ الإبداع الفنّيّ باستطاعة كلّ إنسانٍ ما دام خاصًا بالجزء الإلهيّ في الإنسان، وهذا الجزء الإلهيّ موجودٌ عند كلّ إنسانٍ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت