فهرس الكتاب

الصفحة 18499 من 23694

لمّا كان الإنسان إنسانًا بالنّفس لا بالرّوح، والنّفس جوهرٌ إلهيّ يميّز الإنسان من الحيوان، والفنون تتّصل اتّصالًا وشيجًا بالجزء الإلهيّ في الإنسان فقد وقف التّوحيديّ حائرًا أمام ظاهرةٍ تخترق هذه الحدود المرسومة، ذلك أنّه وجد أنّ بعض الحيوانات تبدو وكأنّها تتذوّق بعض ضروب الفنّ، -وثمّة دراساتٌ معاصرةٌ كثيرةٌ تدور في فلك الموضوع ذاته- ولم يستطع أن يخفي ما يشغله، فطرح سؤاله على محدّثه أبي عليٍّ مسكويه قائلًا:"ما سبب تصاغي البهائم والطّير إلى اللّحن الشّجيّ، وما الواصل فيه إلى الإنسان العاقل المحصّل، حتّى يأتي على نفسه؟" (16) . ولكنّه، وكما لم يجد في نفسه الجواب الشّافي، لم يجد عند أبي عليٍّ من الجواب ما يذهب عنه الحيرة.

وربّما كان هذا ما حَداهُ على التّمييز بين الإنسان والحيوان ، في غير مرّةٍ وغير كتابٍ، وتوسّع في ذلك مبيّنًا الخصائص والسّمات التي امتاز بها الإنسان من الحيوان، معرّجًا على الفنّ -الصّناعة- أو ما اتّصل به في كلّ مرّةٍ.

يقول على سبيل المثال:"لمّا وُهب الإنسان الفطرة، وأُعين بالفكرة، ورُفد بالعقل، جمع هذه الخصال، وما هو منها لنفسه وفي نفسه، وبسبب هذه المزيّة الظّاهرة فضل جميع الحيوان، حتّى صار يبلغ مراده بالتّسخير والإعمال واستخراج المنافع منها وإدراك الحاجات بها، وهذه المزيّة له مستفادةٌ بالعقل، لأنّ العقل ينبوع العلم، والطّبيعة ينبوع الصّناعات. والفكر مشتمل منهما ومؤدٍّ بعضها إلى بعضٍ بالفيض الإمكانيّ، والتّوزيع الإنسانيّ، فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل، وصواب رويّة الفكرة من صحّة الطّباع، وصحّة الطّباع موافقة المزاج، وموافقة المزاج بالمدد الاتّفاقيّ والاتّفاق الغيبيّ" (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت