يذهب هيجل -Hegel إلى أنّ"الفنّ يكشف عن الإلهيّ، عن الاهتمامات الأكثر سحرًا للإنسان، عن الحقائق الأكثر جوهريّةً للرّوح" (11) . وكأنّه يعلن من جديدٍ ما قال به مفكّرنا من أن"الإلهام مفتاح الأمور الإلهيّة" (12) بل هو قبسٌ من النّور الإلهيّ يبثّه الله في النّفس الإنسانيّة. هذا القبس تعكسه البديهة إلى مرآة الحسّ والواقع؛ إلى حالة التّجسّد، عكسًا خلاّقًا يتجاوز ضروب القياس والاستدلال والاجتهاد والتّوقع، يقول الفيلسوف في ذلك:"البديهة تحكي الجزء الإلهيّ بالانبجاس، وتزيد على ما يغوص عليه القياس، وتسبق الطّالب والمتوقّع" (13) . وعلى هذا الأساس يرى صاحب الإمتاع والمؤانسة )) أنّ"مراتب الإنسان في العلم ثلاثٌ، تظهر في ثلاثة أنفسٍ: أحدهم ملهمٌ فيتعلّم ويعمل، وواحدٌ يتعلّم، وواحدٌ يتعلّم ويلهم" (14) . ليكون لدينا بذلك: مقتصرٌ على التّعليم التّلقائيّ أو الآليّ، ومتعلّمٌ بإلهامٍ، وملهمٌ يتعلّم ويعمل وهو المبدع، والنّفس المبدعة عند مفكّرنا هي أسمى النّفوس وأعلاها.
وقد ميّز التّوحيديّ بين الرّوح والنّفس، وخصوصيّة كلٍّ منهما، فرأى أنّ الرّوح؛ الجسم اللّطيف المنبثّ في الجسد، إنّما هي سبب الحياة في الإنسان والحيوان على حدّ السواء، أمّا النّفس فهي جوهرٌ إلهيٌّ خاصٌّ بالإنسان وحسب، وفي ذلك يقول صاحب الإمتاع والمؤانسة )) ، مبتدئًا بتعريف الرّوح بأنّها"جسمٌ لطيفٌ منبثٌّ في الجسد على خاصّ ما له فيه، فأمّا النّفس النّاطقة فإنّها جوهرٌ إلهيٌّ، وليست في الجسد على خاصّ ما له فيه، ولكنّها مدبّرةٌ للجسد، ولم يكن الإنسان إنسانًا بالرّوح بل بالنّفس، ولو كان الإنسان بالرّوح لم يكن بينه وبين الحمار فرق" (15) .
الفنّ والحيوان