"إنّ الطّبيعة فوق الصّناعة الفنّ)، وإنّ الصّناعة دون الطّبيعة، وإنّ الصّناعة تتشبّه بالطّبيعة ولا تكمل، والطّبيعة لا تتشبّه بالصّناعة وتكمل" (4) . والسّبب في ذلك"أنّ الطّبيعة قوّةٌ إلهيّةٌ ساريةٌ في الأشياء واصلةٌ إليها، عاملةٌ فيها بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة، إمّا على التّمام، وإمّا على النّقص" (5) . ولعلّ هذا ما ذهب إليه أندريه جيد -Andre Gide الّذي"يعدّ كل شيء على وجه الأرض طبيعيًّا باستثناء الفنّ، فهو في نظره الشّيء الوحيد غير الطّبيعيّ، والمصطنع في هذه الحياة" (6) ، مع اختلاف أرضيّة التّفكير.
ويتابع مفكّرنا، في معرض التّمييز بين الإنسان والحيوان في مكانٍ آخر، قائلًا:"ذكر بعض الباحثين عن الإنسان أنّه جامعٌ ما تفرّق في جميع الحيوان، ثمّ زاد عليها وفضل بثلاث خصالٍ:"
-بالعقل والنّظر في الأمور النّافعة والضّارّة.
-وبالمنطق لإبراز ما استفاد العقل بوساطة النّظر.
-وبالأيدي لإقامة الصّناعات، وإبراز الصّور فيها مماثلةً لما في الطّبيعة بقوة النّفس" (7) ."
وهو بذلك يقترب كثيرًا ممّا سيقف عليه جورج سنتيانا - Santayana بقوله:"حينما نعترف بالتّميّز الإنسانيّ باعتباره أساسًا مشروعًا للمفاضلة، لأنّه لا غنى لنا عنه، فحينئذٍ نرتّب كلّ ما في الطّبيعة الفنّيّة من موضوعاتٍ حسب هذا المعيار بحيث نجعل منها نظامًا من القيم" (8) .
ممّا لاشكّ فيه أنّ للميزتين الأولى والثّانية دورًا كبيرًا في الفنون، إلى جانب الأدوار الأخرى والأهمّ في ضروب الممارسة العمليّة في الحياة.