من الصّعب القول بوجود مثل هذه النّظريّة بمعناها الاصطلاحيّ المعاصر عند كلّ من سبق ولادة هذا المصطلح (2) على يدي ألكسندر باومجارتن -Baumagarten، ولكنّ ذلك لا ينفي مطلقًا وجود معالم نظريّاتٍ متكاملةٍ، ولا يحول دون استنباط أمثال هذه النظريّات؛ سواء أكان ذلك في فكر الحضارة العربيّة الإسلاميّة وفلسفتها، أم في فلسفة الحضارة اليونانيّة. وانطلاقًا من ذلك يمكننا القول إنّ التّوحيديّ قد نثر ما يمكن أن نسميّه"نظريّته الفنّيّة والجماليّة"بين كتبه نثر اللؤلؤ بين حبّات العقد. وإن كنّا لا ندّعي أنّه كان يدرك أنّه يعرض لنظريّة فنيّةٍ وجماليّةٍ، ولا أنّه كان قاصدًا ذلك، فإنّنا نسمح لأنفسنا الزعم مقدّمًا بأنّ ما قدّمه أبو حيّان يكاد يرقى إلى مستوى نظريّة إن لم تكن متكاملةً تمامًا فإنّه لا ينقصها الكثير أبدًا حتّى تمنح شرف التكامل، ولذلك لم يكن نثر هذه الآراء والمواقف اعتباطًا ولا خبط عشواءٍ، ولا تقحيمًا لآرائه الفنيّة بين طيّات كتبه كلّما سنحت له سانحةٌ، أو شاءت له مصادفةٌ أن يفعل ذلك.
خصوصيّة الفنّ
لم يكن من العسير على فيلسوفٍ جماليٍّ قديرٍ كبيرٍ، أن يدرك -وهو يرسي دعائم مهمةٍ لعلم الجمال العربيّ، كما يصرُّ الكثيرون (3) -أنّ أهمّ مزايا الفنّ وخصائصه أنّه صناعةٌ تقتصر على الإنسان وحده دون سائر المخلوقات، لأنّه يختصّ بسماتٍ لا تتوفّر إلاّ فيه. ويبيّن لنا كيف أنّ الفنّ محاكاةٌ للطّبيعة، ممّا يترتّب عليه ضرورةً أنّ الفنّ دون الطّبيعة كمالًا، وأنّ الطّبيعة فوق الفنّ؛ يقول في ذلك على لسان معاصره ومحدّثه أبي عليٍّ مسكويه: