فهرس الكتاب

الصفحة 18487 من 23694

ولهذا كانت خمرته ينبوع طاقته ومصدرَ حياته وفعله، فهو لا يتعلق بالحياة إلا ليبحث عن حياة أخرى وراءها، وضمن هذا المنظور الوجداني منح الخمرة قدرة التحويل والإبادة والإعادة والكشف عما وراء المحسوس، فكانت قطعة من ذاته توحّد معها، فأشعت في نفسه إحساسات الروعة والتقديس. ولم يكن ذلك ليتم لكونه شاعر الخطيئة، لأنه شاعر الحرية كما يقول أدونيس ( [26] ) ... ودعاني من دارس الأطلال

فحين تغلق أبواب الحرية تصبح الخطيئة مقدسة. بل إن النُّواسي يأنف أن يقنع إلا بالحرام ولذائذه ( [27] ) :

اسقياني الحرامَ قبل الحلال

إنما العيشُ في مباكرة الخمـ ... ـر وسُكرٍ يدوم في كُلِّ حال

فالخطيئة رمز الحرية، ورمز التمرد والخلاص، وهذا عائد إلى أن لأبي نواس نظرًا يحيل الظواهر إلى صور ورموز، ويرى عبرها ملامح وانعكاسات عالم آخر فيما وراء الحس، فهو شاعر اليقظة التي تتخذ عنده شكل المجون، فالمجون خروج على نظام الأخلاق السائد، وهو يتضمن جدلية الرفض والقبول، رفض ما هو راهن وقبول ما يتجاوزه، والمجون في الواقع كالحلم فيما وراء الواقع نفي لكل ما ينفي حرية الإنسان، كلاهما يمثل النشوة الكاملة وهذا يعني أن المجون يطهّر ويحرّر ( [28] ) لأنه الجو الذي تعيش فيه الحرية الكاملة، وهو دخول في عالم المطلق كما يراه أبو نواس بل يتوهمه: ( [29] ) ... وما العيش إلا أن ألذّ فأسكرا

فما الطيَّش إلا أن تراني صاحيًا

وهو يشربها مع إيمانه أنها محرمة، ولكنه مؤمن بعفو الله وغفرانه على مذهب الإرجاء ( [30] ) ... فللكبائر عند الله غفران

غادِ المُدامَ وإنْ كانتْ مُحَرَّمةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت