فهرس الكتاب

الصفحة 18486 من 23694

وما دام الحب دافعه إلى الحياء، فالأمر الطبعي أن يكون له نظر يحيل الظواهر إلى صور ورموز تبدعها عبقرية شاعر مستعصية على الانقياد مع تقاليد الجماعة. فهو منقطع إلى عالمه الداخلي، حيث يضيئه صوت الأعماق، ويصبح الشعر عنده فاعليةً مستقلة عن الخارج. ففي جو الحرية ينطلق مع سجيته وتتفتح نفسه عن أناشيد الخلاص والتَّعزية، ولهذا كان بينه وبين الخمرة صلة حميمة. كان شاعرها المجيد، ومبدع الكثير من الصور والأوصاف. ففي خمرياته تبدو مشاعره ورؤاه، وتترقرق نفسه الكئيبة المستبشرة، فكان شاعرًا مفكرًا من خلال الخمرة، لم يشربها لمجرد اللذة، بل ليحولها إلى خمرة فلسفية يبثها شكواه، لتقيه الهموم وتخدّره ولو إلى حين، إنها شقيقة روحه التي لا يقبل فيها عذلًا أو لومًا: ( [22] ) ... لا تَلُمْنِي على شقيقة روحي

عاذلي في المُدامِ غيرَ نصيح

وإذا كان يرفض العذل واللوم، فإنه سوف يشربها جهارًا متحديًا الرياء والنفاق والتستر على المعاصي: ( [23] ) ... ولا تسْقِني سرًَّا إذا أمكن الجهرُ

ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر

فما الغبن إلا أن ترانِيَ صاحيًا ... وما الغُنْمُ إلا أن يُتَعْتعنِي السُّكرُ

ولكن ما سرُّ شغفه بالخمرة وإثياره لها؟ إنه يجيب مخاطبًا إياها بصديقة الروح: ( [24] ) ... سُقمَ الصحيح، وصِحّة السُّقْمِ

ولا تُخدَعَنَّ عن التي جُعلت

وصديقةِ الروح التي حُجِبْتَ ... عن ناظريك، وقيّمِ الجسمِ

لما كانت هذه الخمرة ، خمرة فلسفية صوفية، فهو يخلع عليها صفات مطلقة، إنه يسجد لها ويتبتل في محرابها، لأنها سر غامض لا تدركه الأفهام ولا تحيط به الظنون: ( [25] ) ... هو في رَجْمِ الظنون

دقَّ معنى الخمر حتى

لم تَقُم في الوَهم إلا ... كَذّبَت عينَ اليقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت