إنّ مواقف المعري السلبية من الدنيا ما هي إلا محاولة للتخفيف من مشاعر الإحباط التي كانت تلازمه. ونوعٌ من الدفاع عن نفسه المقهورة بالإخفاق، لتعويض ما فاته مما حرمته الحياة من ملذات بسبب عاهته البصرية. فكان بهذا الشعر الناقم الناقد يبلسم أزمته النفسية ويصدُّ عن روحه برودة العزلة، وتجاهل الناس له وجحودهم لمكانته الفكرية. يقول: ... رددتُ قدري إلى صبري فأَغْلَى بي
لما رأيتُ سجايا العصرِ تُرخِصُني
حاول المعري من خلال شعره، أن ينشر مبادئ وقيمًا غائبة عن مجتمعه مثل العدل والصدق والمساواة. وكان يطمح إلى توفير السعادة والاستقرار لجميع البشر أينما كانوا، ومهما تعددت أجناسهم ومذاهبهم. ... يحبُّ دنياه، حبًا فوق ما يجبُ
وهذا يؤكد أنَّ نظرة المعري التشاؤمية لم تكن ترمي إلى هدم المجتمع، وإنما إلى تنبيه الناس للتخفيف من حب الدنيا وتعلقهم بها:
نحن البرية أمسى كلُّنا دَنِفًا
وحتى لا يركنوا إلى الكسل والتواكل: ... وادأب لدنياك فعل الغابر الباقي
واعمل لأخراك شروى من يموت غدًا
علمًا أنّ رأي المعري في الإنسان (( لم يكن بأحسن من رأيه في الدنيا، فقد كان له قاليًا وعليه زاريًا ) ) ( [14] ) . ... وقرُبكُمُ يجني همومي وأدناسي
وقد وجد في اعتزاله لهم منجاة له من آثامهم وحمقهم وضيق أفق رؤيتهم، وهو القائل:
طهارةُ مثلي في التباعدِ عنكمُ
عداوةُ الحمقِ أعفى من صداقتهم ... فابعدْ عن الناس تأمنْ شِرَّةَ الناس
وبسبب خبرته بما تنطوي عليه النفس البشرية من رياء ونفاق، يدعو إلى عدم تصديق الناس المستسلمين المستكينين لمصلحة أو رغبة في مغنم، إذ لا خير فيهم. فيقول: ... إليك، طوعًا، فخالفهم ولا تَسُدِ
لا خير في الناس إن ألقوا سيادتهم