وكي لا تُلصَق بأبي العلاء وحده تهمة التشاؤم وذم الدنيا، يذكر الدكتور شوقي ضيف في كتابه"الفن ومذاهبه في الشعر العربي"، أن أبا العتاهية والمتنبي قد سبقا المعري إلى نغمة التشاؤم وذم الدنيا، فيقول: (( أما المتنبي فقد أشاع في ديوانه، وأكثره مديح، ضربًا واسعًا من التشاؤم يعمه نقد شديد للحياة الاجتماعية؛ وبيان لما في الدنيا من آلام وتفكير في حقائق الحياة والموت ) ) ( [15] ) . ... لما أحببتُ بالخلد انفرادا
لكنَّ هذه النظرة التشاؤمية إلى الحياة والإنسان، لم تحجب غيرية أبي العلاء ورؤيته الاشتراكية وتفاعله مع الآخرين. فكان لا يستشعر السعادة إلا إذا استشعرها مجموع الناس. وكان يحس بالغصة إذا لم يعم الخير، البلاد كلها:
ولو أني حُبيتُ الخلد فردًا
فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي ... سحائبُ ليس تنتظم البلادا
وبدافع من هذا الشعور الإنساني العارم، يوصي بعيادة المريض والإحسان إليه: ... فخففْ وَخَفْ أن تُمِلَّ العليلا
إذا عُدتَ في مرضٍ مكثرًا
وإن كان ذا فاقةٍ مقترًا ... فأسعفْ وإن كان نَيْلًا قليلًا
وبالعطف على الفقير بصدقة مادية أو معنوية: ... له منك وجهُ المعرضِ المتهاون
إذا أنت لم تُعطِ الفقيرَ فلا يَبِنْ
ويحضُّ على الابتعاد عن الحسد، وعلى مساعدة الأعمى بأخذ يمينه، وعلى الابتعاد عن الهمز واللمز، وعن تعيير أحد بعاهته. ... بالي الودادِ، ضعيفُه مختلُّه
وبرغم العزلة التي احتجب بها عن الناس، لم تغب عن ذهنه الصداقة ودورها في الحياة الاجتماعية، فبيَّن ما لها وما عليها من إيجابيات وسلبيات، وطالب بحفظ مودة الأصدقاء:
فاحفظ أخاك وإن تبيَّن أنه
وبالمحافظة على الخلان: ... وما في الورى كلُّهم فاضلُ
وخلُّك أفضلُ من غيره
وبإيجاد العذر للصديق في حال تقصيره: ... وإذا الزيارةُ ساعفتكَ، فلا تُدِمْ
فاعذُرْ خليلَكَ إنْ جفاكَ ولا تجدْ