نظر المعري إلى الناس قاطبة نظرة سخرية لا شفقة فيها، تنم على العديد من خيباته الشخصية وإخفاقه في طموحاته. لكنها تثبت ذكاءه ونفاذه النفسي وإصابته في أحكامه الغنية مع ذلك بالمعلومات الاجتماعية والتاريخية. ... إلى سواها، وحلوا الدار إعذابا
وفي رأي الباحث الفرنسي هنري لاوست، أن أبا العلاء أراد بهذه السخرية أن ينبه الناس إلى واقع يعيشون فيه لعلهم يفيقون إلى أنفسهم، ويستدركون ما أوقعوا بأيديهم على حياتهم من شقاء.
وقد رأى هذا الباحث:(أن نقطة انطلاق فلسفة أبي العلاء إنما هي من الشعور العميق بالمرارة والتشاؤم الأليم البادي، وقبل كل شيء إنه وليد الاعتقاد بفساد الطبيعة البشرية فسادًا كليًا غير قابل للإصلاح.
وهو يعلل ذلك بغلبة الأهواء والمطامع والشهوات وعجز العقل عن كبحها. فحياة الإنسان التي هي مسخرة لقدر محتوم، وقد أفسدها هبوط الروح إلى الجسد الخبيث، وأذلتها الأهواء والمجتمع، تحمل في ذاتها تناقضًا مأساويًا. فهي تصبو إلى البقاء والانفتاح، ولكنها لا تجد بعد سنين سوى الموت والعدم) ( [12] ) .
لذا (( آثر المعري الفناء التام والعدم المطلق على الوجود والكينونة، لاقتران الحياة بالعذاب وامتزاجها بالشر وإقفارها من المسرات ) ) ( [13] ) .
وتمنى على الإنسان أن يبحث عن خلاصه، بعيدًا عن أباطيل هذه الدنيا وعذاباتها، فيقول:
هي العذاب، فجدُّوا في ترحلكم
وبريشة فنان متشائم يرسم المعري للدنيا، صورة يكتنفها الشر والألم والحزن ولا أثر فيها للسرور والبهجة: ... وليس يدري أخوها كيف يحترسُ
دنياك دارُ شرورٍ لا سرورَ بها