أجل.. لقد أشاع ذلك النداء إيقاظًا شعوريًا وتفتحًا نفسيًا لدى الشاعر، ملمحًا بتلاشي أزمة القلق، وتفتح مشاعر الأمل، متزامنًا مع إطلالة وجه عالية الذي ملأ الكون ألقًا وبشرًا وعبيرًا أخاذًا. واستشعار ذلك الأمل قد أحدث نوعًا من الابتهاج النفسي الذي هيأ لتداعي أو استشراف مناخ عاطفي مع امرأة غيداء ذات حسن وجمال: ( [56] ) ... على الفراشِ الضجيعُ الأغيدُ الرَّبِلُ ( [57] )
31-وقد أبيتُ إذا ما شئتُ مَالَ معِي
32-وقد تُباكرني الصهباءُ ترفَعُها ... إليَّ لينةٌ أطرافها ثَمِلُ ( [58] )
ثم تتصعد إشراقة الأمل في الخطاب الشعري بالتفات الشاعر إلى ناقته التي شاطرته رحلة العناء والقلق، فليكن لها حظ من بهجة الأمل: ( [59] ) ... مَتَّ السِّفَارِ وأفنى نَيِّها الرحلُ ( [60] )
33-أقولُ للحرف لمَّا أن شَكَتْ أُصُلًا
34-إن ترجعي من أبي عثمانَ مُنْجَحَةً ... فقد يهونُ على المُسْتَنِْجِحِ العَمَلُ ( [61] )
ثم تمضي القصيدة عبر ذلك الانفتاح النفسي مشكلةً نقلة معنوية مؤدية للالتئام التام بين بعدي الثنائية، من خلال الوصول إلى الممدوح ( [62] ) ، مما اقتضى آلية جديدة في التقنية الشعرية، منها تداخل الخاص مع العام، فعطاء الممدوح سيحقق آماله وآمال أهل المدينة قاطبة. ومنها توجه الخطاب الشعري من الأنا إلى الآخر، ومن الضمير الأحادي إلى الجمعي؛ فالنشيد المدحي يتراءى حتى نهايته بضمير جمعي، وكأن فضائل القوم مجتمعة قد اختزلت في الممدوح، مشكلةً منظومة من القيم الدينية والاجتماعية: ( [63] ) ... إذا تخاطأ عبدَ الواحِدِ الأَجلُ
35-أهلُ المدينة لا يَحزُنك شأَنَهُم
36-أما قُريشُ فلن تلقاهُمُ أبدًا ... إلاَّ وهم خَيرُ من يَحفَى وينتعلُ
37-إلاَّ وهم جَبَل اللهِ الذي قصرتْ ... عنه الجبالُ فما سوّى به جَبَلُ
38-قومٌ هُمُ ثبَّتوا الإسلام واتَّبعوا ... قولَ الرسول الذي ما بعده رسُلُ ( [64] )
39-مَنْ صَالحوه رأى في عَيْشِه سعَةً ... ولا يرى مَنْ أرادوا ضَرَّه يَئِلُ ( [65] )