إن العلاقة بين البيتين علاقة دلالية، إذ يقوم البيت الثاني بالشرح والتفصيل، دون أن يرتبط مع الأول برابط نحوي ظاهر، وإنما يرتبط به برابط معنوي في تفسير الشمائل التي يتصف بها كل من أبيه وخاله.. إلخ. وهذا يعني أن البيت الأول يحتاج إلى البيت الثاني للتوضيح والتبيين، وليس للتأسيس، واستكمال الوحدة الدلالية، بينما يحتاج الثاني إلى الأول احتياج تأسيس وبناء يستقيم عليه، ولا شكّ أن الفارق بين الأمرين لا يسمح بوضعهما في خانة واحدة، ولذلك يبدو موقف التبريزي أقرب إلى الصواب.
وعلى خلاف ذلك اتفق أصحاب الموقفين في تقويمهما لهذا المستوى من التضمين.
يقول ابن هارون تعقيبًا على بيتي امرئ القيس:"فليس هذا بمعيب عندهم - أي العرب - وإن كان مضمنًا؛ لأن التضمين لم يحلِّل قافية الأول، مثل قوله:"إني شهدت لهم" ( [14] ) وقد يجوز أن يوقف على البيت الأول" ( [15] ) ويقول التبريزي:"ومن التضمين ضرب آخر، يكون البيت الأول منه قائمًا بنفسه، يدل على جمل غير مفسَّرَة، ويكون في البيت الثاني تفسير تلك الجمل، فيكون الثاني يقتضي الأول، كاقتضاء الأول له.. فهذا ليس بمعيب" ( [16] ) .
يُعيد العمري ذلك الحسن إلى التوازن الإيقاعي الذي تخلقه بعض صور تضمين الاقتضاء، حيث ترجع المقابلة بين محتوى القرائن في الاقتضاء المؤدي إلى تقسيم نظمي ترجيعي لتلعب دورَ منشِّطٍ للفاعلية الشعرية، كما أن التقسيم الدلالي الذي يلاحَظ في"الجمع مع التفريق"و"الجمع مع التقسيم"يؤدي أيضًا إلى التوازن الإيقاعي. والصورتان نتاج تفاعل بين الموازنة الصوتية والمقابلة الدلالية بشتى صورها ( [17] ) .