وقد أتيح لأبي الخير اللقاء به في تلك المدينة وعمل معه في بساتين الأمراء ولاسيما في بستان المعتمد بن عباد. فأفاد بذلك خبرة عملية واسعة، لما عرف عن ابن بصال من رسوخ قدم في علم الفلاحة، وقد اعترف ابن العوام بفضله وذكره في كتاب"الفلاحة"أكثر من مائة مرة معتمدًا على آرائه ومشيرًا إلى قيمته العلمية والمعرفية.
هذه التلمذة لأبي الخير على أيدي هذين الأستاذين تطلعنا على ثقافته ومصدر أبحاثه وتجاربه وخبرته في مجال علم النبات.
على أن أبا الخير لم يكتف بذلك. بل كان مدفوعًا بدافع السفر والسياحة للاطلاع والتعرف على النباتات وتأثيراتها الدوائية في الأقطار الأخرى والمدن المجاورة لإشبيلية.
فقد طاف بأرجاء المغرب الأقصى وحدثنا عن ذلك في ثنايا كتاب"العمدة"وعرّج على مراكش وأغمات. وسأل بعض شيوخ المرابطين والمصامدة والأعراب عن ماهية بعض الأعشاب كالقتاد وتيكوت وربما كان هذا في صدر الدولة المرابطية.
إن هذه الزيارات ربّما كانت تتكرر إلى المغرب حيث يقف الإشبيلي على تشكيلة واسعة من النباتات، فيصفها ويبين خصائصها النباتية والدوائية كما يلتقي بنخبة من العلماء، ويضيف مزيدًا من الخبرات والمعلومات والمشاهدات والملاحظات الثمينة ضمنها كتابه الموسوعي الضخم.
يقول أبو الخير في كتابه"العمدة"في صدد الحديث عن شجيرات الكراث (14) :
"قال سليمان يعني ابن جلجل) لم أر أحدًا وصفه. لكن نبَّهتُ عليه لهذه المنفعة العظيمة. يقصد نفعه في علاج الجذام. ويضيف: قال أبو الخير أي المؤلف نفسه): هو نوع من المازريون" (15) وهي المرة الوحيدة التي ذكر فيها أبو الخير اسمه أو كنيته.
على كل ما زالت تلك المعلومات تفتقر إلى معرفة الجانب الشخصي من حياة أبي الخير، لاسيما تاريخ ولادته ووفاته، ونشأته وأسرته وغير ذلك. وللأسف لم يكن لكتاب"العمدة"مقدمة تمدّنا بمعلومات أغزر، لاندثارها فيما اندثر من أقسام المعرفة.