ويتمثل الإشكال الثاني في مشروعية تناول نص تراثي بأدوات منهجية حديثة، قد تبدو غريبة عنه. ولتفادي هذا الإشكال التزمنا بخطة منهجية واضحة تنطلق في البداية من القراءة المتأملة للنص بالاعتماد على المعاجم العربية التي ارتهن إليها خطاب المقريزي، وضبط المسارات الدلالية للوحدات المعجمية الموضوعة قيد التحليل وحاولنا في أثناء ذلك حصر المستويات الدلالية وضبط إطارين متميزين في النص. حددنا في الإطار الأول بالاعتماد على الجملة الواردة في الصفحة الثانية من الكتاب وهي: [من تأمل هذا الحادث من بدايته إلى نهايته، وعرفه من أوله إلى غايته، علم أن ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام أو غفلتهم عن النظر في مصالح العباد] البعد التلفظي في النص بضبط الهيئة اللافظة، ومقاصدها في الاقتراب الاقتصادي والسياسي من ظاهرة الجوع بوصفها حدثًا اقتصاديًا بامتياز. ولئن كانت هذه الهيئة تتوجه في خطابها بضمير المتكلم الأنا لذكر ما جرى من مجاعات بضمير الغيبة إلى الأنت، فإنها تسعى، من جهة، إلى إقامة تواصل معه مبني على خطاب برهاني يحلل الظاهرة الاقتصادية، أبردها إلى الآليات التي تحتكم إليها السلطة في تسييرها للفعل سياسي. ومن جهة ثانية إلى تحريك متلقي الرسالة بهدف تأسيسه فاعلًا منفذًا في برنامج تكون الغاية منه التحرر من الفعل السياسي القمعي، وتحقيق قيم سياسية تعيد الصلة بين الحكام والرعية. من هذه المنطلقات ضبطنا برنامج هذه الهيئة [المقريزي الباحث] التي تفحص عن قرب العلاقة بين السلطة والرعية.
وحللنا في الإطار الثاني البرامج السردية، مع التركيز على الممثلين السياسيين الذين يتصدرهم أهل الدولة. وحاولنا في أثناء ذلك دراسة هذا الممثل الأساسي في علاقته بأغنياء التجار وأولي النعمة والترف، والفئات الأخرى التي تنتظم درجاتها في السلم الاجتماعي انتظامًا مبنيًا على الملك.
1-النظام السيميائي للنص: البحث في مستويات وأشكال بنيته: