لم يكن المقريزي، في كتابه هذا، مجرد مؤرخ للمجاعات في مصر، بل حاول أن يدل الجماهير على الأسباب التي أدت لحصول تلك الأوضاع المفجعة، ولتضع يدها عليها واحدًا بعد واحد، حتى تتلمس الطريق السوية التي تنقذها من الوقوع مجددًا في أمثال تلك المآسي القاتلة. ولو أن المقريزي أراد مرضاة السادة الأعلين، لاستطاع بكل سهولة إرجاع المجاعات إلى إرادة خارجة عن إرادة الإنسان، وإلى أسباب طبيعية لا حول للجماهير معها ولا قوة، مما يدفعها إلى الخضوع والاستسلام...
لقد قيل إن السبب الذي دفع المقريزي إلى وضع هذا الكتاب هو فقده لابنته الوحيدة في عام 806هـ، نتيجة إصابتها بالطاعون الوبيل، الذي أعقب إحدى فترات المجاعة الطويلة التي حلّت بمصر بين عامي 796-808هـ . نعم قد يكون لهذا الحادث أثره، ولكنه ليس كل شيء. فالمقريزي لم يقنع بذكر بعض الأسباب الطبيعية بل تعمق في بحثه فبين الدور الذي لعبه المماليك والأمراء والتجار والوجهاء في مصر، عندما احتكروا بيع الأرزاق، ورفعوا أسعارها وخفضوا أسعار العملة، لجني الأرباح على حساب الفقراء والمعدمين. فانتشرت الأوبئة والأمراض وكثرت الوفيات.
وهذا البحث دراسة لنص المقريزي، ولفحص مستوياته الدلالية من منظور سيميائي. من الواضح أن الاقتراب المنهجي من هذا النص يطرح عدة إشكالات، لعل أهمها هو غياب الدراسات التي تعنى بفحص الخطاب السياسي بخاصة، والخطابات في العلوم الاجتماعية بعامة، انطلاقًا من توجه سيميائي أثبت فعاليته العلمية في الدراسات الأوروبية وفي كثير من الحقول المعرفية ( [3] ) . وقد نلمس هذه الفعالية في الحلول التي صاغها الباحثون، بخصوص الآليات التي يحتكم إليها تحليل الخطاب في تجلياته اللسانية وغير اللسانية.