إن"اللغات الأم"للفصائل اللغوية الكبرى- وهذا المصطلح لم يعمّ استخدامه بعد- مثل الهندوجرمانية الأم والسامية الأم يفترض أنها لم توجد كلغات مستقلة البتة، بل هي تمثل غالبًا وسائل مساعدة لعملية إعادة بناء اللغات وفق معايير علم اللغة المقارن، والهدف من ذلك هو جمع الظواهر المتماثلة التي يمكن تمييزها ضمن أقدم اللغات المعروفة في إطار واحد. وربما كانت هناك أهمية لمعرفة سبل التكون اللغوي وأصول الكلمات في أقدم اللغات قاطبةً، ولكنها اختفت في اللغات التاريخية فيما بعد، وهي تخرج عن حدود معرفتنا.
يختلف الأمر- على الأقل في المبادئ الأساسية- بالنسبة للغات التي تطورت عنها لغات مستقلة تؤلف معًا أسرة لغوية. وأفضل الأمثلة عليها هي اللغات الرومانية- ضمن الهندو جرمانية- واللغات الآرامية- ضمن السامية-.
نشأت الرومانية عن اللاتينية المعروفة لنا جيدًا، أما اللغات الأدبية الآرامية للمسيحيين السوريين واليهود والمندعيين فتعود نشأتها إلى اللغة الآرامية القديمة المعروفة لنا بشكل أقل. ونسبُ هذه اللغات الحديثة إلى تلك القديمة أمر لا شك فيه؛ ولو أنها تعرضت بوضوح لتأثيرات اللغات المجاورة التي احتكت بها.
ولكننا نجهل أصول لغات من أسر لغوية أخرى كالجرمانية والسلافية بسبب عدم توافر تراث كتابي مدون لها. ويجب علينا أن نرضى في هذه الحالة- كما في حالة الفصائل اللغوية الكبرى- بمحاولات إعادة تركيب تلك الأصول الأم، وهي لا تتطابق بالتأكيد مع بداياتها التاريخية تمامًا.
ولذلك فإن وضع اللغات الجرمانية والسلافية مختلف؛ إذ لا نستطيع ربطها بكيان حضاري قديم موحد يمكن مقارنته بالحضارة الرومانية التي نشأت في دولة قوية.