ومن أبرز معطيات التعبير عن الذات المتفردة في شعر طرفة جنوحه إلى تصوير وجوده الفردي بصيغة تؤدي مدلولات التميز وتضخم (الأنا) المنفصمة تمامًا عن مقومات وجودها الاجتماعي المفترض.
ويشكل اعتداده بنفسه وبسلاحه خارج إطار الفخر القبلي امتدادًا لحالات مارسها شعراء آخرون لعلهم عانوا من تضخم الذات نفسه ولكن طرفة ظل يمارس النم بطريقة قد تومئ إلى (نرجسية) خفية لعلها كانت تتاج ظلم الأغمام وتنكر الأهل وتخلي القبيلة، إنه يسعى بشكل محموم إلى أن يمنح ذاته هوية البطولة الفردية التي تستمد عظمتها من كينونتها الخاصة التي لا تتجاوز انتماءه الأسري:
وأنمي إلى مجد تليدٍ وسورةٍ
أبي أنزلَ الجبارَ عاملُ رمحِهِ ... عن السرجِ حتى خرَّ بين السنابكِ
وسيفي حسامٌ أختلي بذبابهِ ... قوانسَ بيضِ الدارعينَ الدواركِ ( [36] )
ويشكل السلاح الشخصي أرضية تلك الفروسية المتفردة التي أراد طرفة أن يقيمها هوية لوجوده الإنساني فهو يعود إلى الصورة في أكثر من نص شعري واحد: ... خشاشٌ كراسي الحيةِ المتوقِّدِ
أنا الرجلُ الضربُ الذي تعرفونه
فآليتُ لا ينفكُّ كشحي بطانةً ... لعضبٍ رقيقِ الشفرتين مهنَّدِ
حسامٍ إذا ما حمتُ منتصرًا به ... كفى العَودَ منه البدءُ ليس بمعضَدِ
أخي ثقةٍ لا ينثني عن ضريبةٍ ... إذا قيل مهلًا قال حاجزُه قُدِ
إذا ابتدر القومُ السلاحَ وجدتني ... منيعًا إذا بُلَّتْ بقائمِهِ يدي ( [37] )
تلك هي الممارسة التي يبدو فيها طرفة محتلًا موضعه الذي اختاره هو وحده ووجد هوية ذاته فيه أمام المواجهة المتفردة فقد هنا مستلزماتها المعقدة وتغنى بامتلاكه ناصيتها، ثم لم يتحرج من تنظير منطلقه في إطار فكري بدا خلاصة فلسفته في الحياة: ... ـبادي وأغشي الدُّهمَ بالدُّهمِ
وأنا امرؤ أكوي من القصر الـ
وأصيب شاكلةَ الرميةِ إذ ... صدَّت بصفحتِها عن السهمِ
وأُجرّ ذا الكفلِ القناةَ على ... أنسائه فيظلُّ يستدمي
وتصدُّ عنك مخيلة الرجل الـ ... ـعِرِّيضِ موضِحةٌ عن العظمِ