فهرس الكتاب

الصفحة 18244 من 23694

أليس موقف طرفة في نصه هذا نموذج الالتزام القبلي المحض؟ إنه يواجه استصغار شأنه وإفراده بالدفاع المستميت عن حقه في الانتماء، وحين تصنعه حقيقة واقعه الشخصي المرفوض يطلق آهته:"وظلم ذوي القربى...". ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتْلَدي

والآهة نفسها تتكرر حين يكون سلوكه الشخصي الصرف سببًا آخر لإفراده وإسقاط هوية انتمائه:

وما زال تشرابي الخمورَ ولذّتي

إلى أن تحامتني العشيرة كلُّها ... وأفرِدتُ إفرادَ البعيرِ المعبَّدِ ( [34] )

أكان طرفة حريًا أن يشكو هذه الشكوى المرة من إفراده لو لم يكن حريصًا على انتمائه الذي ظل ينكره؟ وتتكرر المواقف وتتكرر الشكوى من اختلال معادلة الانتماء حتى تختم حياة الشاعر بالقتل ويختم شعره بهذه الصرخة التي تعدّ انتماءه قبل أن تنعاه هو: ... لسوءة حلت بهم فادحه ( [35] )

أسلمني قومي ولم يغضبوا

ولسنا ننكر بعد هذا كله أن الباحثين الذين تحدثوا عن اغتراب طرفة من خلال استحضارهم هذه النصوص وما يقع في إطارها مصيبون في جانب من تصورهم، فالشاعر الذي يواجه نكران الأهل بهذا الحرص على توثيق الانتماء لا بد أن يكون قد عانى من حالة التفرد وذاق مرارتها، ولكننا لا نرى في جهده الشعري الطامع إلى كسر أطواق تلك الحالة إلا رفضًا للاغتراب وطموحًا إلى تجاوز الهوة الفاصلة بين واقعه وانتمائه الاجتماعي المفقود. ... تكونُ تراثًا عند حيٍّ لهالكِ

من هنا يكون من حقنا أن نبحث عن ملامح اغتراب طرفة وتفرده خارج هذه المحاور التي دار حولها الباحثون والتي رأينا أنها أدخل في هاجس الانتماء منها في هاجس الاغتراب.

لقد عبر طرفة عن تفرده وبروز ذاته في هذه اللمحات الفكرية التي بثها في عدد من موضوعات نصوصه وقرر من خلالها ملامح نمط ذاتي قد ينتمي في بعض خصوصياته إلى توجهات مارسها الجاهليون ولكنه يبقى ذا دلالات خاصة في مضامينه التفصيلية الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت