لقد كانت مواجهة طرفة لظلم أعمامه حقه وحق أمه (وردة) في صباه موقفًا أملاه اختلال معادلة انتمائه الاجتماعي، ونحن لا ننكر أنه وقف (منفردًا) يدافع عن حقه حين قال:
ما تنظرون بحقِّ وردةَ فيكمُ
قد يبعثُ الأمرَ العظيمَ صغيرُهُ ... حتى تظلَّ له الدماءُ تصبَّبُ
والظلمُ فرّق بين حيَّي وائلٍ ... بكرٌ تساقيها المنايا تغلب ( [32] )
ولكننا نسأل لو كان الظالم قبيلة أخرى غير قبيلة طرفة وكان المظلوم قبيلة طرفة أو رهط منها أكان بوسعه أن يقول غير هذا الذي قاله؟ ... متى أدنُ منه ينأَ عني ويبعدِ
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستضع أيدينا على طبيعة المنطلق الجماعي الصرف للموقف الشعري الذي لم يجد أفضل من أحداث القبيلة الراهنة في حرب البسوس حجة لإثباته.
وحين نمضي إلى المطلق الآخر الذي اعتمده الباحثون لتقرير اغتراب طرفة في موضوعاته الشعرية نواجه موقفه في مطولته وشكواه من موقف الأهل الذين نذر النفس من أجلهم فما كان جزاؤه إلا هذه الجفوة التي كان وقعها على النفس وقع الحسام المهند:
فما لي أراني وابنَ عميَ مالكًا
يلومُ وما أدري علامَ يلومني ... كما لامني في الحيِّ قرطُ بنُ معبدِ
وأيأسني من كل خير طلبتُه ... كأنّا وضعناه إلى رمس ملحدِ
وقرَّبتُ بالقربى وجدِّك إنني ... متى يك أمر للنكيثة أشهدِ
وإن أُدْعَ للجلّى أكنْ من حماتها ... وإن يأتِكَ الأعداءُ بالجهدِ أجهدِ
وإن يقذفوا بالقذعِ عرضكَ أسقِهم ... بكأس حياض الموتِ قبل التهدّدِ
بلا حدث أحدثتهَ أو كمحدثٍ ... هجائي وقذفي بالشكاةِ ومطردي
فلو كان مولاي امرأًٌ هو غيرُه ... لفرّجَ كربي أو لأنظرني غدي
ولكنّ مولايَ امرؤٌ هو خانقي ... على الشكرِ والتسآل أو أنا مفتدِ
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةٌ ... على المرءِ من وقع الحسامِ المهندِ ( [33] )