فهرس الكتاب

الصفحة 18241 من 23694

وكما كان لتفاصيل صور المرأة والطلل أن تستوعب هذه اللمحات المنبئة عن إحساس الشاعر الخفي بالاغتراب، فقد فتحت لوحات الرحلة النادرة في ديوانه مضامينها للمحات أخرى تومئ إلى هذا التفرد، فهو إذا يستقبل الصحراء بناقته أو بفرسه يتعمد التفرد في الآفاق، فلا يرتاد المسالك المطروقة إنما يعمد إلى مجاهلها الموحشة بلا رفيق سفر، على أن أداته الفنية في تصوير تلك الوحشة والاغتراب في المجاهل لا تخرج عن الإطار التقليدي الذي مارسه عدد من الشعراء الجاهليين لا سيما كعب بن زهير الذي طغت فرديته على نتاجه الشعري بوجه عام ( [27] ) ففي نص من نصوصه يستحضر طرفة صورة الظلمان في طريق رحلته ليشير إلى إيغاله في مجاهِله التي لم يألف الناس ارتيادها:

وبلاد زَعلٍ ظِلمانُها

قد تبطَّنتُ وتحتي جسرةٌ ... تتقي الأرض بملثومٍ مَعِرْ

فترى المرْوَ إذا ما هجَّرتْ ... عن يديها كالفَراشِ المشفتِر ( [28] )

وقد يعمد إلى الغلو في استحضار الصور الدالة على تفرده في رحلته، فهو يقصد إلى طريق لا أنيس به إلا عزيف الجن الذين كانوا يعمرون الأرض قبل أن يعمرها الناس، أما أديم الأرض التي يرتادها فلا حياة فيه إلا جثث الضِباب التي جرفتها السيول إلى تلك المواضع النائية الموحشة: ... قبل هذا الجيل من عهدِ أبَدْ

وركوبٍ تعزفُ الجنُّ به

وضِبابٍ سفَرَ الماءُ بها ... غرِقَتْ أولاجُها غير السُّدَدْ

فهي موتى لعِبَ الماءُ بها ... في غثاء ساقهُ السَّيلُ عُدَدْ

قد تبطَّنتُ بطِرْفٍ هيكلٍ ... غيرِ مرباءٍ ولا جأبٍ مُكَدْ ( [29] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت