يشق حبابَ الماءِ حيزومُها بها ... كما قسم التربَ المفايلُ باليدِ ( [24] )
ويمتد إحساس طرفة بالغربة إلى مقاطع افتتاح أخرى ليشيع أجواء التفرد التي ظلت تلح على نفسه، فالحي الذي كان يعمر الطلل لم يرحل مجتمعًا بل تفرّق في الآفاق بعد أن طوى الموت كل معالم الحياة التي كانت تعمر الأرض قبل الرحيل: ... وليس على ريبِ الزمانِ كفيلُ
فغيَّرْنَ آياتِ الديار مع البلى
بما قد أرى الحيَّ الجميعَ بغبطةِ ... إذ الحيُّ حيٌّ والحلولُ حلولُ ( [25] )
ويشكل الإحساس بالغربة نمطًا من الأرضية المشتركة بين لوحة الافتتاح بالنسيب ومحور القصيدة الموضوعي أحيانًا، فالمرأة التي ترحل وتخلف الشاعر لوحدته تكتشف من خلال حوارها معه أنه كان يعاني الغربة نفسها قبل أن تنعقد بينه وبينها أواصر الحب، فهو مغترب أبدًا قبل التجربة وخلالها وبعدها، وتلك هي المأساة التي بدا عاجزًا عن الإفلات من براثنها: ... وعوجي علينا من صدورِ جمالكِ
قفي ودِّعينا اليوم يا ابنة مالكِ
قفي لا يكنْ هذا تعلّةَ وصلِنا ... لبينٍ ولا ذا حظَّنا من نوالكِ
أخبِّرْكِ أنّ الحيَّ فرّقَ بينهم ... نوى غربةٍ ضرّارةٍ لي كذلكِ
ولم ينسِني ما قد لقيتُ وشفّني ... من الوجدِ أني غيرُ ناس لقاءَكِ
وما دونَها إلا ثلاثٌ مآوبٍ ... قُدِرنَ لعيسٍ مُسْنِفاتِ الحواركِ
ولا غروَ إلا جارتي وسؤالَها ... ألا هل لنا أهلٌ؟ سُئِلتِ كذلكِ
تعيِّرُ سيري في البلاد ورحلتي ... ألا ربَّ دارٍ لي سوى حَرِّ داركِ
وليس امرؤٌ أفنى الشبابَ مجاورًا ... سوى حيِّهِ إلا كآخرَ هالكِ ( [26] )
هي غربة الروح تبحث عن استقرارها بين ربوع الأهل أو في دار الحبيبة فلا تجد استقرارها هنا ولا تجد استقرارها هناك، ثم يبقى الخلاص حلمًا لا يتيحه إلا نبض الشعر وهو ينفث وجع القلب ويرسم معالم الهوة السحيقة الفاصلة بين الانتماء والاغتراب. ... كالمخاضِ الجربِ في اليوم الخَدِرْ