وتبقى الحبيبة حلمًا يستحيل تحويله إلى واقع، فهي بعيدة بعد الوهم الذي يُدرك الشاعر أنه أبعد من أن يناله حتى في حلم يقظته الشعري: ... مُنعَّمةً تُزارُ ولا تزورُ ( [19] )
فكيف صبوتَ أو ترجو مهاةً
وتشكل حقيقة اغتراب طرفة عن مثاله الأنثوي واغتراب المثال الأنثوي عنه أرضية لممارسة لوحة افتتاح خاصة بشكل كثيف هي لوحة الطيف التي يندر ورودها في دواوين الجاهليين ( [20] ) ولكنها تتكرر في ديوانه لتومئ إلى قناعته بأن الغربة المتحكمة في علاقته بالمرأة لا يمكن تجاوزها إلا في عالم الحلم: ... سوادُ كثيبٍ عرضُهُ فأمايلُهْ
سما لكَ من سلمى خيالٌ ودونَها
فذو النيرِ فالأعلامُ من جانب الحمى ... وَقَفٌّ كظهر الترسِ تجري أساجلُهْ
وأنّى اهتدت سلمى وسائلَ بيننا ... بشاشة حب باشرَ القلبَ داخلُهْ
وكم دون سلمى من عدوٍّ وبلدةٍ ... يحارُ بها الهادي الخفيفُ ذلاذلُهْ
يظلُّ بها عيرُ الفلاةِ كأنهُ ... رقيبٌ يخافي شخصَهُ ويضائلُهْ
وما خِلتُ سلمى قبلَها ذات رجلةٍ ... إذا قسْوريُّ الليلِ جيبت سرابلُهْ
وقد ذهبتْ سلمى بعقلِك كلِّهِ ... فهل غيرُ صيدٍ أحرزتهُ حبائلُهْ ( [21] )
وتتكرر لوحة الطيف بتفاصيل تؤكد قناعة طرفة بأن تجاوز حالة الفراق بينه وبين الحبيبة لا يكون إلا بخلق تفاصيل حلم يقظة يؤكد بوجه آخر غربة من يمارسه عن مجرى الواقع الإنساني ( [22] ) . ... خلايا سفينٍ بالنواصفِ من دَدِ
ولأن الحبيبة تبقى حلمًا في تجربة طرفة الشعرية كان على ظعنها أن يتخذ مسارًا لا كمسار الظعون، ولهذا فإن التقليد الفني الذي مارسه الجاهليون حين شبهوا ظعن الحبيبة بأسطر النخيل أو بأسطر شجر الدوم ( [23] ) يتخذ وجهة أخرى في ظعن طرفة، فخدوج الحبيبة الظاعنة تبدو في ذاكرته سفنًا تمخر البحر ليكون المرمى أبعد من أن يُنال، وتكون الغربة أقسى على القلب:
كأن حدوجَ المالكيةِ غدوةً
عدوليةٌ أو من سفين ابن يامنٍ ... يجور بها الملاحُ طورًا ويهتدي