فهرس الكتاب

الصفحة 18236 من 23694

والظاهر أن بكرًا- وهي تخوض صراعها مع تغلب- كانت تحاول كسب موقف بلاط الحيرة إلى جانبها بعد أن نما إليها أن هذا البلاط على وشك أن يتحول إلى جانب خصومها التغلبيين فأرسلت شاعريها اللذين لا بد أنهما هيآ نفسيهما لمديح الملك، بيد أنهما لم يستطيعا أن يغيرا من الأمر شيئًا فما كان منهما إلا أن هجوا الملك بعد أن هجا طرفة صهره البكري الذي لم يفعل شيئًا من أجل بكر، ويبدو أن عمرو بن هند أراد أن يكون عقبه رادعًا للشاعرين وقبيلتهما ولهذا لم ينزل عقابه بطرفة والمتلمس في الحيرة- وكان قادرًا على ذلك بالتأكيد- فأرسلهما مع من يحرسهما وكتب صحيفتين بقتلهما إلى عامل البحرين ليقتلا هناك على مرأى ومسمع من قبيلتهما، واستطاع المتلمس أن يهرب من حراسه بينما مضى طرفة لحتفه.

وقد لا يخلو الأمر بعد ذلك من تعمد، فالعامل البكري على البحرين لا يمكنه أن ينفذ أمر الملك بشاعري قبيلته لأنه لو فعل لتنكر لدمه وأفسد ما بينه وبين قبيلته وإن هو لم يفعل كان ذلك ذريعة لاستبدال عامل تغلبي به، وهذا ما حدث فعلًا.

وقد كان طرفة يتوقع في هذه الأثناء أن تثور بكر لاستنقاذه، فحياته معرضة للخطر من أجلها ولكن سعيها لم ينته إلى ما يجب فهاله خذلانها إياه حتى كان آخر ما قاله قبل أن يقتل:

أسلمني قومي ولم يغضبوا

كلُّ خليلٍ كنتُ خالَلْتُهُ ... لا تركَ اللهُ له واضِحَه

كلهمُ أروغ من ثعلبٍ ... ما أشبهَ الليلةَ بالبارحه ( [12] )

وبهذه الآهة الحزينة يجمع طرفة بين صورتي الظلم، ظلم الأعمام في أول شوط الحياة، وظلم القبيلة عند استقبال الموت من أجلها. ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ

طرفة إذن شاعر قبيلة قبل أي شيء آخر، فهو في توجهه الموضوعي شاعر انتماء بكل ما تعنيه كلمة (انتماء) بالنسبة للشاعر الجاهلي الذي يعيش من أجل القبيلة ويقول الشعر من أجلها ويتوج حياته بالموت في سبيلها ( [13] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت