ويعترف الشاعر بأنه حين يتذكر أيام الحمى بين صحبه وأحبته يفتك به الحزن والجزع، فيسند كبدَهُ بيدهِ كي لا تتمزع ألمًا، ثم يتوجد الشاعر على عشيات الحمى التي يقرُّ بأنها لن تعود، ومادام الأمر كذلك فلتدمع العيون كلما جاشت النفس.
وعلى رغم البعد والجزع يظل الصمة متعلقًا بوطنه، متشبثًا بكل معالمه، وبذكرياته فيه، فَيُفدِّي بنفسه تلك الربوع الطيبة ورباها ومنازلها في صيفها وشتائها.
وما أكثر من يدعو لها بالسقيا لتبقى مخضلة في الواقع مثلما هي مخضلة في الوجدان.
الدعاء بالسقيا:
ما الدعاء بالسقيا إلا دعاء بتجدد الحياة، وازدهارها، وإطالة أمدها، ومن ثم سلامتها من أي ضر، وهو لهذا من أحب الأدعية، وألطفها وقعًا في نفس العربي الذي كثيرًا ماعانى من شح الماء، وقلة الخضرة في صحاريه، وبواديه، وفقد كثيرًا من إبله ومواشيه، وأطفالهِ جراء ذلك.
ولهذا نراه يتوجه بهذا الدعاء الندي إلى أحب الأمكنة إليه، وأسعد الأيام التي عاشها.
وفي أبيات ابن عمارة السلمي صورة لهذا الدعاء الحميم، حيث يذكر نجدًا، ثم يتفقد أمكنة بعينها متمنيًا أن تنهلَّ عليها شآبيب الغيث المصحوب بالرعد المتتابع الذي يعني وفرة الماء المنهمر، وما ينتج عنه من ربيع، وخصب:
سَقَى مَأْزَمَيْ نجدٍ إلى بئرِ خالدٍ
وجادتْ بروقُ الرائحاتِ بِمُزْنةٍ ... تسحُّ شآبيبًا بمرتَجزِ الرَّعْدِ
منازلَ هندٍ إذ تواصلُني بها ... لياليَ تسبيني بمستطرَفِ الوُدِّ (15) .
فالشاعر في دعائه يتفقد منازل محبوبته هند، وكأنه بذلك يسعى إلى تثبيت أركان هذا الحب في ذاكرة المكان الذي هو نجد، وإبقائه أخضر نديًا على الزمن. ... بحيثُ التقى الداراتُ والجَرَعُ الكُبْدُ
وفي الأبيات التالية دعاء آخر يتفقد صاحبه بعض الأمكنة التي يتمنى لها السقيا، والاخضرار، والتي ترتبط أيضًا بمحبوته زلفاء:
سَقَى دِمنتينِ ليس لي بهما عهدُ
فيا ربوةَ الرَّبعينِ حُييتِ ربوةً ... على النأيِ مِنَّا واستهلَّ بِكِ الرعدُ. (16) .