وهذا مروان الأصغر يحيط نجدًا بحب مدهش حقًا فيدعو له بالسقيا، ويهديه السلام، ويعلن عن حبه له، وتفضيله على غيرهِ من البقاعِ، مهما شت به المزار، ونأى عنه: ... ويا حبذا نجدًا على النأيِ والبُعْدِ
سقى الله نجدًا والسلام على نجدِ
أما الصِّمة القشيري فيطلب من آخرين أن يشاركوه الدعاء لله، أن يسقي الحمى، ثم يطمئن إلى أن الله قد استجاب، فسقى الحِمى، وما حوله من ربوع، ثم يلتفت إلى أمر آخر، وهو أنه دائم السؤال عن الحمى، كلما لقي قادمًا منه، ليطمئن إلى سقياه، ثم يسأل ذلك السؤال الحرج: هل يسأل أهل الحمى عن حاله كما يسأل عن حالهم؟ ... بلى فسقى الله الحِمى والمَطاليا
ألا تسألانِ الله أن يسقيَ الحِمى
وأسألُ مَنْ لاقيتُ: هل مُطِرَ الحمى ... فهل يسألنْ أهلُ الحِمى: كيف حاليا؟ (17) .
وتمكن ملاحظة الروح الإنسانية لدى الشاعر حين اطمأنَّ أن الغيث قد شمل بسقياه كلًا من الحمى، والمناطق التي تتوالد فيها حيوانات البر، وتربي صغارها بعيدًا عن الناس، وفي ذلك تصعيد لغرائز الإنسان، وارتقاءٌ بأفكاره، التي توسع دائرة مسؤوليتيه في البيئة لتشمل الإنسان، والمكان، ومخلوقات البيئة المحيطة به. ... بَشَام الحِمى أخرى الليالي الغوابِرِ
ويبرز البيت الثاني مما قاله الصِّمة حالة التجاذب الحميمية رغم ما يعتريها أحيانًا من عذابات بين الحمى وأهله وبين الشاعر، وهي حالة متوهجة لا يطفئ جذوتها إلا الموت.
وختامًا، نستطيع القول: إن جاذبية نجد بلغت درجة مدهشة، وقد وجدت في شاعرية النجديين خير معبر عنها، بما اتصفوا به من حضور بديهة، وصفاء نفوس، ورقة لسان، وطلاوة لغة، وجموح خيال، وتوهج عاطفة، وأرواح محلقة، شغوف، مرهفة، عشاقة.
ولعل في الكلمات التي ظل الصِّمة القشيريُّ يرددها تكرارًا، ليرطب لسانه بها، وهو يجود بأنفاسه، غريبًا على أرض"طبرستان"، خير معبر عن جاذبية نجد، وعن انجذاب أهلها إليه:
تَعَزَّ بصبرٍ لا وَجَدِّكَ لا ترى