وكأي عصر من العصور بلغ مرتبة عالية في التقدم ونال المجتمع فيه قسطًا وافرًا من الثراء فإن هناك جماعات فقيرة تسكن الأكواخ بعيدًا عن القصور وتعيش من تعبها وتتأثر بتقلبات البلاد السياسية التي تنعكس على الأسعار.
وفي غمرة الحياة الصاخبة كان الرشيد يطّلع على أحوال الرعية عبر عسس خاص وجولات تنكرية، وتضاعفت موارد الدولة السنوية /حوالي 42 مليون دينار/ عدا الضريبة العينية وأمام هذا الغنى واتساع رقعة الدولة زعموا أن الرشيد قال للسحابة المارة في سمائه: أمطري حيث شئتِ، يأتني خراجك ( [42] ) .
وكان الخراج يُجنى وفق قواعد كتاب الخراج وللخراج ديوان خاص به.
لقد كان ملك الرشيد في أوجه، ملكٌ لا تغيب عنه الشمس ولا يتخطاه البرق وكانت الرقة شامة ذلك الملك، ومنزلًا يقل مثيله، فقال عنها الرشيد: (( الدنيا أربعة منازل دمشق والرقة والري وسمرقند ) ) ( [43] ) .
وقال شيخ الربوة الدمشقي: (الرقة من أنزه بقاع الدنيا، وقد أكثر الشعراء في ذكرها ووصفها والتغني بمحاسنها وعظمتها ) ) ( [44] ) .
ومن نتائج هذا الازدهار عمومّ الرخص، وصارت أغلب الأيام أيام يسر، وقد أوردت الأخبار أنه في زمن المنصور كان مصروف الرجل من عامة الناس مع زوجته لم يكن يتجاوز الثلاثمائة درهم في السنة، فقد كان الكبش يُباع بدرهم حسب قول الطبري وبدرهم زنة ستين رطلًا من التمر وبدرهم زنة ستة عشر رطلًا من الزيت وبدرهم زنة ثمانية أرطال من السمن، وبدرهم زنة تسعين رطلًا من لحم البقر وبدرهم زنة ستين رطلًا من لحم الغنم، وبدرهم زنة عشرة أرطال من العسل... واستمر ذلك الرخاء وتُوِّجَ على يد الرشيد حتى سُميت أيامه بأيام العروس، واستقطبت عددًا كبيرًا من السكان من عربٍ ومن عجمٍ، فهناك عرب بني أسد ( [45] ) وبني سليم ومن قريش /جاؤوا مع التحرير الإسلامي للجزيرة/.