وجولات الرشيد على مدن الجزيرة لا تنقطع، فهو يتفقد حاجاتها، ويطلع على أحوالها، ويمدها بدعائم الرفاهية والاستقرار، حتى غدت من جنان الله في أرضه، ففي رأس العين وحدها أكثر من ثلاثمائة عين جارية منها ما لا يُعرف له قرار (تجتمع في النهاية لتشكل نهر الخابور) عدا المزارع والطواحين والبساتين التي فيها ما تشتهي النفوس، وفي منبج ارتفعت منازل وقصور، ونمت حدائق وزهور، فطاب العيش، وساد السرور. ... ومن منازه للدنيا وللدين
أما مسكنة فبالإضافة إلى كونها محطة تجارية هامة تحمل تجارات مصر والشام إلى الرقة وبغداد فهي كثيرة الغلات والزراعات، ولكثرة خراجها أقطعها الرشيد للمأمون. وننوه هنا بأن مسكنة لاقت اهتمامًا من مسلمة بن عبد الملك إذ حفر فيها نهرًا من الفرات يدعى نهر مسلمة وذلك لتطوير الزراعة فيها.
ومثلما ازدهرت الزراعة في شطرها النباتي، فقد ازدهرت في شطرها الحيواني، فقطعان الغنم والإبل والماعز ملأت مراعي الجزيرة وباديتها عدا الطيور وباقي الدواجن، ونالت الخيول ذروة الاهتمام، فعندما بُنِيت القصور تُرِك حولها أو قريبًا منها ميادين وساحات لسباق الخيول وأُنشِئت الحقول والإصطبلات الخاصة لتوليد عتاق الخيل وتربيتها، وساعد على هذا مناخ الجزيرة المعتدل آنذاك ووفرة المياه وخضرة المراعي واتساعها وكان للرشيد من جياد الخيل الكريمة عدد كبير جدًا، وخُصِّصت للخيول ميادين ترويض وسباق ومراعٍ ومدربين برواتب مغرية ورؤساء حصلوا على مكانة اجتماعية رفيعة بين رجال الحاشية، وفي مقدمتهم ذفافة العنسي ويُدعى صاحب خيل الرشيد.
واغتنت حقول الصيد بالطرائد في تلال البليخ ووديانه وفي سهول الفرات وروابيه وبين أشجاره.
أما الضياع التي هُجِرت من قبل مزارعيها، فوجه الرشيد إليها هرثمة بن أعين لعمارتها وزراعتها ودعا مزارعيها للرجوع إليها على أن يخفف عنهم الخراج وتُحسّن معاملتهم. حتى أضحت كل بقاع الجزيرة مستثمرة ومنتجة.