وقت ذاك البليخ يد الليالي ... وذاك النيل من متجاورين ( [39] )
وأنشأ ديوانًا لتلك الأعمال الإصلاحية (ديوان الأكرة) . ... لا ولا كان في قديم الزمان
وجارى أهل الرقة الرشيد بالعناية ببلدهم، فاهتموا بدورهم، وغرسوا الأشجار ونوّعوا البساتين، وملأ الجو روائح الخزامى والقيصوم والأقحوان والنرجس والسوسن والأذريون"زهر أصفر"والرياحين، تتطاير فيها الفراشات، وتشدو الطيور، واحترف بعضهم الزراعة وجلب آخرون عمالًا بالأجرة، ولجأ إلى الرقة الراغب في العمل والطامع بالثراء أو العطاء، وغطّت أشجار الصنوبر والنخيل والزيتون والحور والصفصاف والأشجار المثمرة روابي وسهول الجزيرة حتى تحولت إلى نبعٍ يمد الدولة بوافر العطاء ومكان إقامة يليق بالخليفة وانتشرت زراعة الحبوب بجميع أنواعها ريًا وبعلًا، وتضاعف الإنتاج وضاقت مستودعات التخزين، وللعلم فإن المنطقة مشهورة منذ القديم بجودة حبوبها وقِدمها.
يقول الباحث"ل. دولا بورت"في كتابه حضارة ما بين النهرين معتمدًا على أبحاث عالم النبات أوليفيه ( [40] ) :
(لولا سهول الفرات ما عرف العالم الحنطة والشعير والذرة التي نمت طبيعيًا فيها ثم شاعت، وصُدِّرت إلى العالم فيما بعد)
وفاضت الخيرات المتنوعة في الجزيرة لكثرة الأنهار والعيون والآبار فيها فالرها أحيطت بالبساتين، وامتدت الأشجار الكثيرة في سروج من شمال حران حتى جسر منبج، وأنتجت الفواكه والزبيب، وعُمِرَتْ دوسر"جعبر"بالأسواق وبكثرة الأرزاق. وزُرِعَ في سهول الجزيرة الرز والقمح والذرة والشعير وقصب السكر والأعناب والقطن والفواكه والثمار المجففة وكَثُرَ عسل النحل والبندق والكستناء والبلوط.
وفواكهها مرغوبة لدى سكان الأقطار، وترقص لها دنانير التجار، فالتفاح الداماني"نسبةً إلى قريةٍ رقية"يُضرب به المثل لجودته وحمرته وطيب طعمه ولا تكمل موائد المترفين إلا به، وفيه يقول مسلم بن الوليد"صريع الغواني":
وحياتي ما آلف الداماني