ويمكن ترتيب اللغات ضمن العائلة نفسها في نظام أجيال. وهكذا فإن تصنيف اللغات والثقافات يمكن أن يؤدي إلى تأريخها، وغلى تاريخ إنساني صرف لا تلعب فيه الميتافيزياء أي دور. ولكن السيد سعيد يؤكد أن فقه اللغة نفسه- كما استخدم في الحقل الاستشراقي- كان مقصورا على الإطار الاستشراقي، وكان يستخدم ليعطي قاعدة علمية للقضاء الثنائي الموجود لتوه. إن اللغات السامية بالنسبة إلى رينان هي أساسا أدنى من اللغات الآرية، وغير قادرة على تجاوز نقطة معينة في تطورها:"إننا نرفض بأن نسلم بأن للغات السامية القدرة على تجديد أنفسها". ويقترح السيد سعيد في فقرة رائعة على نحو خاص أن هذه الفكرة أتت من تطبيق أفكار معينة، كانت سائدة في علم التشريح في ذلك العصر، على فقه اللغة: إن الساميات بالنسبة إلى رينان هي ما كان بالنسبة إلى اتين سانت ايليير Etienne Saint- Hilaire مسخا تشريحيًا، ليست استثناء بل هي شذوذ، أو ظاهرة ذات تطور مغط أو مقيد.
وقد سارت عملية الاكتشاف جنبًا إلى جنب مع عملية التفحص العلمي. وذهب بعض الرحالة إلى الشرق كباحثين - مثل لين Lane- لجمع المواد، ومضى بعضهم - كشوتوبريان Chateaubriand- ليكتشف ذاته أو يقبض عليها، وذهب آخرون كبيرتن Burton لخليط من الدوافع. وفي تحليل دقيق ليس فقط لما قالوه وإنما للطرق التي قالوه بها- الترتيب، الأسلوب، اللهجة - يميط السيد سعيد اللثام عن الاستشراق المستتر وراء اختلافاتهم في المنهج. لقد كانت حقيقة السيطرة، توكيد سيادة أوربا، الواقع الماثل، وبدا الشرق ككائن ساقط، جذاب، ولكنه مليء بالمخاطر وخاصة الخطر الجنسي.